مفاعيل الثبات على المبدئية

 

أعود عندما أتابع الأحوال السائدة في عالمنا العربي، وفي تأرجُح العلاقة الأميركية مع هذه الأحوال، إلى عبارات تختزنها الذاكرة قالها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وإلى أجواء العلاقة السعودية – الأميركية في ضوء الزيارة الأولى له كملك للبيت الأبيض وما أوضحه بمبدئية للرئيس باراك أوباما.

بداية هنالك العبارات التي وردت في سياق مناسبات ومنها قول سلمان بن عبدالعزيز يوم الثلاثاء 15 مارس/ آذار 2015 لمجرد أن بات سادس الملوك الأبناء “في سياستنا الخارجية نلتزم دوماً بتعاليم الدين الحنيف الداعية للمحبة والسلام…”، وقوله “سنواصل الدفاع عن القضايا العربية والسعي لإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف…”، وقوله “سنواصل العمل لتحقيق التضامن العربي والإسلامي بتنقية الأجواء وتوحيد الصفوف لمواجهة المخاطر والتحديات المحْدِقة بهما…”.

على مدى أحد عشر عاماً والنهج السعودي على نحو ما حدده خادم الحرميْن الشريفيْن الملك سلمان لجهة القضايا العربية والتضامن، والبذل من أجْل قيام الدولة الفلسطينية، والحرص على إختصار التباعد أحياناً بتوحيد الصف. وفي سبيل أخْذ هذه القضايا مداها إلى الإنجاز، بذل وليّ العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان مِن المثابرة ما جعل الإستقرار قاعدة لها، وهذا كان واضحاً في أن السعي من أجْل قبول أممي لصيغة الدولة الفلسطينية حقق خطوات هادئة ونوعية في هذا المجال، وهو هدوء حملَ دولاً أجنبية كثيرة من بينها فرنسا وبريطانيا وإسبانيا على إعتبار إقامة دولة فلسطينية هو الحل الذي لا يقتصر مردود إستقراره على شعب فلسطين وإنما أيضاً على شعوب المنطقة بمن في ذلك الشعب اليهودي الذي بات مطالَباً من جانبه بوقفة ترى أن على الحكومة الإسرائيلية الكف عن أحلام التوسع وإرتضاء كيان يعيش فيه الشعب اليهودي كما عيْش الجيران الذين ما زالوا يأملون وقفة مِن الرئيس ترمب كفيلة بإشعار أهل الحُكم الإسرائيلي بأنهم مطالَبون برد الجمائل للحليف الأميركي الذي كان الإغداق عليهم، وتحديداً على الطبقة البنيامينية الحاكمة، متجاوزاً مسألة الحماية والمساعدة مِن نوائب تصيبهم من جيرانهم في المنطقة، ذلك أن الدول المحيطة بإسرائيل كانت تنشد السلام فيما إسرائيل البنيامينية تعتدي بغرض التوسع حرباً كما في لبنان بعد غزة، أو صفقة كالتي حدثت مع أرض الصومال التي خالف حاكمها الأصول فوقف مطبِّعاً مع إسرائيل المعتدية في غزة ولبنان، بدل أن يكون سنداً للكتف العربية – الإسلامية.

إلى ما أوردناه من أقوال للملك سلمان قبْل أحد عشر عاماً وبقيت راسخة مع محاولات تفعيل مستمرة مِن جانب ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، تحضْرنا ونحن نتأمل في الحال السعودية – الترمبية المستجدة، تلك الأجواء التي إتسمت بها الزيارة الأُولى للبيت الأبيض التي قام بها الملك سلمان، وكيف أن التوقير في أعلى درجاته مِن الرئيس أوباما للملك سلمان تمثَّل عدا الإستقبال الرسمي المتميز، بنقاط حروف على كلمات لا تجد التفسير الحاسم لها، وكيف أن الرئيسيْن السابقيْن جورج بوش الإبن وبيل كلينتون حرصا أشد الحرص على زيارة الملك سلمان في مقره وتسجيل مشاعر عفوية تجاه رقي صداقة المملكة مع الولايات المتحدة وعدم حصْر النتائج الطيِّبة التي تُحققها هذه الصداقة  ليس على المملكة فقط وإنما على الأمتين وبما لا يؤثر على روابط وعلاقات ذات بُعد إستراتيجي مع دول كثيرة. وفي هذا المنحى نقرأ عبارة وردت في لقائه مع الرئيس أوباما وعلى رغم أنه باق على الولاية الرئاسية ثمانية أشهر، ولكنه في ما قاله حرص على التأكيد أن الموقف السعودي هو في الدرجة الأُولى مع الدولة الأميركية وليس مع رؤسائها  الذين يتعاقبون على السُدة وفْق المزاج الشعبي الأميركي بحيث يأتي الرئيس “جمهورياً” في وقت تكون الإحتمالات أن “ديمقراطياً” هو الآتي. العبارة التي قالها الملك سلمان هي “إن منطقتنا يجب أن تُحقق الإستقرار الضروري لإزدهار شعبنا، والحمدلله إننا  مزدهِرون في بلدنا إنما نريد الإزدهار لكل المنطقة…”. و”إن العلاقة السعودية – الأميركية لا تفيد فقط بلدينا إنما العالم بأسره ومنطقتنا وهذا أمر مهم وعلينا دائماً تعزيز هذه العلاقة…”. ولقد أضفى الملك سلمان المزيد من التوضيح للذي قاله وبدا ذلك، على نحو ما عكست إحدى اللقطات المصورة للقاء، كما لو أنه مناقشة رافقت حركة الأصابع العشرة للملك كما بدت جلية في اللقطة المصورة التي عممتها وكالة ” اسوشيتد برس ” وكانت مرفَقة نشراً بالعنوان الرئيسي لصحيفة “الشرق الأوسط” عدد يوم الجمعة 5 سبتمبر/ أيلول 2015 وهو “الملك سلمان: علاقة الرياض بواشنطن مفيدة للعالم”. وفي الصورة إياها الرئيس أوباما شابكاً أصابع يديه وفي غاية الإرتياح لما يسمعه مِن الملك سلمان. ثم نجد البيان المشترك الصادر عن القمة الأُولى للملك سلمان مع الرئيس الرابع والأربعين للولايات المتحدة، بعد القمة السعودية – الأميركية الأُولى بين الملك عبدالعزيز والرئيس الأميركي الثاني والثلاثين على متن طرَّاد فوق مياه البحيرات المرة يوم 14 فبراير/ شباط 1945، حازماً وعلى قاعدة قراءة الآتي من الزمن السياسي العربي – الأميركي يؤكد من جملة تأكيداته في ما يخص المسألة الفلسطينية التي لا تحسم الإدارة الأميركية أمر الصيغة الموضوعية لها، وذلك بالقول “أكد الزعيمان أهمية مبادرة السلام العربية التي قُدِّمت عام 2002 وعلى الحاجة إلى الوصول إلى تسوية شاملة وعادلة ودائمة قائمة على حل الدولتين لتحقيق الأمن والسلام، كما أنهما شجَّعا الطرفيْن (الفلسطيني والإسرائيلي) على القيام بخطوات بهدف المحافظة على حل الدولتين وتطويره…”.

ما يراد قوله مِن هذه الإستعادة أن النهج السعودي لجهة العلاقات مع الدول الشقيقة ومع دول العالم بقي على صواب المبدئية، ومثْل هكذا نهج يجعل الطمأنينة تشق طريقها إلى حيث هنالك تغييب لها، وتجعل مسألة الدولة الفلسطينية دائمة الحضور في البال على أمل أن تصبح في وجدان المتردد في حسْم أمرها، وهو هنا الصديق الأميركي في الدرجة الأولى، الذي عندما يكون الكلام في محادثات أو في بيان مشترك مع رموز فاعلين في الحياة السياسية العربية، صادراً عن إقتناع وليس من باب المسايرة، فإن الإستقرار سيسود في العالم وتغمر الطمأنينة نفوس الآملين خيراً.. وإن طال تحقيق هذا الإقتناع من الدولة العظمى.

فؤاد مطر .

.