الذي يتفاءل بالخير يجده

نُشرت في صحيفة “الشرق الأوسط”
بتاريخ الأربعاء 13/ 5/ 2026
تتصل بي عبْر المحيط وعبْر مضيق هرمز سائلاً كيف هي حال بيروت وكيف حالكم. لعل ما أسطِّره وتقرأه في غربتك كوْنك من الحريصين على قراءة “الشرق الأوسط” يفي الإجابة.
لقد بات أمراً مألوفاً العدوان الإسرائيلي اليومي على مناطق جنوب لبنان. كما بات أمراً مألوفاً التحليق الجوي لطائرات إستطلاع إسرائيلية أحياناً في الليل ودائماً في معظم ساعات النهار في سماء بيروت.. ولا مَن يتصدى لها كما واجب الدولة في حماية سمائها.
هكذا تعيش العاصمة اللبنانية التي بلغ الإنهاك مداه، ذلك أنه بالإضافة إلى حوالي مئتي ألف نازح من الجنوب والضاحية الجنوبية سبق أن ذاقوا مرارة النزح بجانبيه: النزح من بيوت دمرها العدوان الإسرائيلي والعيش النزحي غير الكريم عموماً لعشرات الألوف من الذي سبق أن نزحوا. ثم هنالك أمواج جديدة وجدت أنفسها تتجه إلى بيروت عدا إستثناءات لمقتدرين أمكنهم إيجاد الملاذ الكريم في مناطق جبلية.
مع كل عدوان على بلدات جنوبية ينتهي سكانها نازحين، لا يقتصر فقدان المنزل الذي أمضى صاحبه من الشقاء والتوفير نصف العمر لكي يبنيه حجراً حجراً وإنما عدم القدرة على إستئجار شقة تأويه وعائلته نستثني هنا ذوي الإقتدار من المغتربين في دول أفريقية نجحت تجارتهم هنالك فقرروا أن يكون آخر العمر في البلدة التي غادروها وإشادة المبنى الفخم الذي يعوضهم العيش فيه شقاء سنوات الإغتراب. وهؤلاء أو في أكثريتهم لم يهنأوا لأن العدوان الإسرائيلي دمر وأحرق ونهب ما جرى تشييده.
لقد غيَّر النزوح شخصية العاصمة بيروت التي كانت جوهرة. إمتلأت الأرصفة بالسيارات ودراجات الذين نزحوا سيارة إلى جانب سيارة وحولها الدراجات النارية. والكثافة البشرية تزداد يوماً بعد يوم، أو بعد كل عدوان جديد يعقبه بطبيعة الحال نزوح. وأما أرصفة “الأوتستراد” للشاطىء البيروتي فباتت ملاذاً لمقيمين يفترشون الأرض كما تحت الجسور حيث لا بيوت لهم، كما باتت هنالك أسواق سيَّارة تلبي إحتياجات هؤلاء. وأما المرافق والخدمات الصحية فللوضع المأساوي أن يوضح ظروفه.
حتى الآن يبدو وضْع النزوح من الجنوب إلى بيروت في الدرجة الوسط، لكن إستمرار العدوان سيجعل العاصمة عرضة لأوضاع تؤسس لما هو أخطر بكثير، ذلك أن مجتمع النازحين يقترب من حيث المقارنة بمجتمع اللاجئين الفلسطينيين. كما أنه في حال إخلاء الجنوب بنسبة تقترب من الخطر، أن تعيش العاصمة اللبنانية حالات لا قدرة على صدِّها، حيث في هذه الحال سنرى الألوف من النازحين وقد وصلت حالة اليأس إلى أعلى درجة يقتحمون الوسط التجاري بما فيه من عمارات فخمة وفنادق ذات شهرة عالمية فضلاً عن منطقة الأسواق التي عند تشييد المباني والمحلات أريد لها أن تضاهي في فخامتها أسواق باريس ولندن ونيويورك.
وبين ليلة وضحاها أو بين عدوان إسرائيلي وآخر يليه نزوح بعد نزوح، قد ينتهي الأمر بأن هذه المنطقة التجارية المنهكة أصلاً من كثرة ويلات النزوح ستصبح الملاذ لهؤلاء ليس حباً بذلك وإنما لأن واقع الحال فائض المرارة، وأن الحنين إلى الجنوب يغمر النفوس.
وما هو المؤلم للنفوس النازحة ليس فقط المنزل الذي دمره العدوان الإسرائيلي في وضح النهار ودون أي خشية من موقف دولي، وإنما البساتين والحقول التي كانت خضارها وشتول ورودها وخيرات اشجار زيتونها وبرتقالها وموزها تشكِّل علامة فارقة في المشهد الجنوبي، وأتى العدوان يحرق هذه الحقول وينشرسموم آلته الحربية في ترابها، ما يعني أن عطاءها بعد العودة.. هذا في حال كُتب للمجتمع النازح أن يعود، سيشقى الجنوبي من جديد لكي يعيد إلى التربة حيويتها ونقاءها.
للإجابة عن السؤال بقية تليها بقيات. الكثير من المحلات التي كانت مزدهرة في شتى المجالات ومنها الألبسة وسوق اللوحات الفنية التي باتت من علامات الرقي اللبناني أُقفلت. كذلك الكثير من المطاعم ومعظم دور السينما. وفي الشوارع التي في جزء منها صناديق القمامة المتراكمة ثمة ظاهرة لافتة وهي هنالك أشخاص يبحثون في هذه الصناديق عن بقايا طعام، كما هنالك كثيرون يتكلمون وهم سائرون أو وقوفاً. وهذا عائد إلى تراكم الصدمات النفسية الناشئة في الجزء الأكبر منها أن العمل غير متوفر وإذا توفَّر فإن العائد لا يوفر ثمن أدوية ولا إحتياجات منزلية. وأما التسول فإنه حاضر صغاراً وكباراً ومِن النساء والرجال في معظم شوارع العاصمة.
لن أُثقل عليك أكثر كي لا تفقد الأمل بقيامة بيروت على نحو قيامها بعد إحتراب ميليشياتها عام 1975 وكيف أنها بعد بضع سنوات من الإجرام في حقها، وجدت في الحادبة على سائر شقيقاتها المملكة العربية السعودية تنتشلها من وهدتها وتنهض بروحية “إتفاق الطائف” ويكون الجنوب عامراً إنسجاماً مع إعادة الحيوية إليها. ولن أُثقل عليك بالقول إن أياماً مضت جعلتْني كما كثيرين نجد بيروت كما وجد كبير شعراء العراق (الجواهري) بغداد من خلال قوله “أسمع عن بغداد ولا أراها) كما جعلتْني وأنا مسكون حزناً على الذي تسبب به العدوان الإسرائيلي لمعظم آثار وطننا التاريخي العريق ولبساتين وحقول خير الثمار فيه من أقصى الجنوب إلى بقاعه وسهول بعلبك وبلداتها التي تغني خيراتها عن الجوع، أستحضر قول الكبير العراقي الآخر شعراً (السيَّاب) “وكل عام حين يعشب الثرى نجوع.. ما مر عام والعراق ليس فيه جوع”.
ويا صديقي عبْر المحيط ومضيق هرمز التي من شأن إفتعاله حذف مطلب الدولة الفلسطينية من الذاكرة، أتمنى أن تخلُد مثلي إلى سَكينة المؤمن الذي يتفاءل بالخير يجده.

فؤاد مطر .

.