نُشرت في صحيفة “الشرق الأوسط”
بتاريخ السبت 5/2/2026
تكتمل صياغة القرار اللبناني من موضوع التفاوض عندما تلتقي الرئاسات الثلاث حول رؤية متوازنة للوضع الذي تقاطعت فيه خطول الطول مع خطوط العرض على نحو التشبيه المألوف للحالات غير المحسومة. وإذا جاز الإفتراض فإن رجل المهمات الصعبة الحل والمتشابكة كما لم يحدُث مثْل هذا التشابك مِن قبل، الأمير يزيد بن فرحان أضفى في مهمته التي يستوجب الوضع اللبناني الكثير التعقيد نصحاً، ونكاد نقول هدياً، ما يجعل عدم الإبقاء على المشهد اللبناني يزداد قتامة. ومن الجائز القول إن يوميْ الزيارة الفرحانية إلى بيروت رفعتا منسوب التفاؤل بعدم المبالغة في إتخاذ مواقف شعبوية تأتي مِن هذا الطيف أو ذاك.
وقد يقال إن الوضع اللبناني وصل في الأسابيع التي بدأ التعامل بين الدول في شأن إيجاد حلول للأزمات يأخذ مداه ويلتقي الخصمان الصعبان على وجوب إحلال مفردات الموقف السياسي بديلاً للمفردات التي ترفع الصوت عالياً مع أن الأخذ والرد وفي حدود المنطق يثمر إنفراجات.
وهذا الحرص من جانب القيادة السعودية على أن تتفقد لبنان الذي تكاد أزمته الراهنة تعصف بصيغته هو الحرص المنزَّه عن الغرض والحاجة إليه لتمتين أواصر البنيان السياسي كي لا ينهار على الجميع وهو الحرص نفسه الذي لولا المادرة إليه متمثلة بإتفاق الطائف لإنتهى الكيان كيانات. وتلك أمثولة من مصلحة جيل حاضر الأزمة التبصر بها وذلك من خلال تبادُل الثقة من جانب الأطياف السياسية والحزبية مع الدولة متمثلة بمؤسساتها الرئاسية والعسكرية. ومثْل هذه الثقة تتحقق بإحترام تلك الأطياف لما هو منصوص في دستور البلاد وكذلك لما تضمَّن إتفاق الطائف من رؤى كانت مثمرة بدليل أن حقبة عشر سنين تلت ذلك الإتفاق إتسمت بإستعادة لبنان بعض ما يليق بوطن يمتلك من المقومات ما يوجب على بني قومه الحرص عليها وتطويرها، وبحيث لا يصبح الوطن ساحة صراعات ملاذاً لأطياف تحوِّله إلى ميدان كل حسب الطيف الخارجي الذي يحتويه، وإلى وطن تعلو فيه الأصوات مستهدِفة آخرين. وثمة أحوال يعيشها لبنان متمثلة بعشرات الألوف الذين فقد بعضهم أفراداً من العائلة وفقد معظمهم البيت والمحل التجاري والمستشفى. وإلى جانب هذا الفقدان هنالك إنحسار الطموح لدى أجيال شابة.
وفيما هذه الأحوال تزداد تفاقماً نرى من يردد عبارة “الكلمة للميدان” ويضيف بعض آخر عبارة “على السُلطة أن تخجل من شعبها وتنسحب مِن خطيئة المفاوضات المباشرة”. وهذه مفردات نشير إليها على سبيل المثال لا الحصر ولا يأخذ قائلوها في الإعتبار ومِن المصادفة أن رئيس الدولة الرئيس جنرال جوزف عون هو إبن الميدان على مدى ربع قرن كما أن قائد الجيش الجنرال رودولف هيكل هو من الميدان نفسه. وعندما لا يُؤخذ ماضي هذيْن الجنراليْن في الإعتبار ويُنظر موضوعياً في خيارات مستجدة وكثيرة التعقيد يلقي الواجب على كل طيف يرى أن “الكلمة للميدان” ولا كلام غيرها أخْذها في الإعتبار ومساندة رئيس البلاد والحكومة في الخيار الذي يرتئيان خوض غماره الكثير التعقيد والمخاطر، فإن ذلك يصبح نوعاً من فقدان الثقة بركنيْ الدولة وبالخيارات التي يغتنمان الظروف المناسبة للأخذ بها.
ثمة أولويات يبدو لبنان الوطن المتناثر سياسياً إلى جانب أطلال المنازل والمؤسسات التي يزورها مالكوها فتتزايد قطرات الدموع من العيون، مِن واجب الدولة وفي منأى عن كثرة التنظير تجربة خوض غمارها على نحو ما تواصل إيران بذْل السعي في سبيل تحقيق ما يمكن الحصول عليه. وثمة تجربة خاض الرئيس أنور السادات غمارها وأدى المواطن عن إقتناع أو عن إحترام إرادة رئيس الدولة وما يرتأيه لوقف نزف الحرب وإسترجاع الأرض. ونكاد نجزم القول إن الذي أقدم عليه الرئيس السادات لم يُلغِ من الذاكرة المصرية ذاكرة جيله والجيل الراهن والأجيال الآتية، المسألة الفلسطينية فهذه تأخذ مكانها برحابة في النفس المصرية وتنتظر أجيال الحاضر المصري كما الأجيال في كل دولة عربية الظروف الإقليمية – الدولية المناسٍبة التي تجعل السعي مِن جانب ولي عهد المملكة العربية السعودية رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز من أجْل الأخذ الدولي بصيغة الدولة الفلسطينية يتحقق وهذا مأمول حدوثه بعد المواقف المستجدة من جانب بريطانيا وفرنسا وكيف أن السعي السعودي أحدث إختراقاً في هذا المنحى في الدولتين الكُبرييْن في القارة الأوروبية وحِلفها الأطلسي. ثم يتزايد السعي أهمية من خلال الموقف الإسباني وآخرين رأوا عيْن الصواب في السعي السعودي. وهذا التطور ينتظر خروج المعضلة الأميركية – الإيرانية من بين ركامات هذه المعضلة، وبعد أن يأخذ رافعو الصوت عالياً في الإعتبار بأن “الكلمة ليست للميدان” وحده وإنما أيضاً إلى بعض التهدئة ومباشرة ترميم الوطن الذي من أجْل الحرص عليه جاءت زيارة الأمير يزيد بن فرحان تؤكد حِرص خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز كما حِرْص الوالد الذي أسس والأبناء الإخوة والأشقاء مِن بعده الذين أخذوا على عاتقهم الإهتمام بكل دولة عربية تواجه ضائقة سياسية من الضوائق. وهنا يأتي لبنان الذي يعيش أعقد ضائقة سياسية تجعل قراره غير محسوم ما يجعل المملكة تؤدي الدور بأمل أن لا يصيب لبنان مِن بعضه لبعض ما أصاب آخرين.. ومن دون أن يجدي الندم نفعاً.
… والله الهادي والرشيد.
فؤاد مطر .
.
