لبنان الهوية الدستورية والأثقال الحزبية

نُشرت في صحيفة “الشرق الأوسط”

بتاريخ الإثنين 27/ 4/ 2026

في جديد لبنان الذي لا تستقر أطيافه السياسية وأحزابه الثلاثة والأربعين حتى الآن، كون ظاهرة التفريخ الحزبي نشطة وحسب موازين القوى الخارجية، أن إحدى المنابر العِلمية متمثلة ﺒ “جامعة الروح القدس” ومقرها الكسليك أو الضاحية الشمالية للعاصمة بيروت التي مَن يجوب شوارعها وشواطىء بحرها يرى أنها نقيض المأساة التي باتت عليها الضاحية الجنوبية والناشئة عن العدوان الإسرائيلي عليها وعن الجدل البيزنطي الذي لا تتوقف جولات المجادلين عند حد، إرتأت إقامة معرض وطني لمناسبة مرور قرن على إعلان الدستور اللبناني الذي دون سائر الكثير من دساتير دول العالم شهد في سنواته المئة من العام 1926 إلى العام الحالي 2026 تعديلات كثيرة، كما أن الأحزاب (43 حزباً بتسميات متنوعة) بدءاً ﺒ “الكتائب اللبنانية” وصولاً حتى الآن إلى “حركة أمل” و “حزب الله” كانت في معظمها تشكِّل حالة إرتباك للموقف الرسمي، فضلاً عن أن عقيدة هذا الحزب أو ذاك التنظيم أو تلك الحركة لا تعير أهمية للحدْب الوطني على الدولة متمثلة بدستورها الوطني وبمرجعياتها الرئاسية المدنية والقضائية والعسكرية، أي بمعنى آخر لكل حزب هواه وفْق إنتمائه خارج حدود الوطن وعلى أنقاض الدستور الذي دون سائر دساتير العالم كان موضع أخْذٍ وردٍ وكما لو أنه وجهة نظر قابلة للمجادلة وليس نصاً مِن واجب المواطن إعتباره السقف الذي يحميه.

ما يتطلع إليه المعرض الذي دعت إليه الجامعة المتكئة على بداية شاطىء الضاحية الشمالية للعاصمة التي تزداد ذبولاً نتيجة العراك الحزبي والسياسي الذي لم يثمر حلولاً وبحيث باتت مدارس وشواطىء وحدائق هذه العاصمة موسومة بالنزوح غير المألوف، هو تسليط الضوء على المسار التاريخي الذي شكَّل الهوية الدستورية للبنان من خلال عرْض محطات مفصلية تبدأ من بروتوكول عام 1861 ومرحلة المتصرفية مروراً بإعلان “دولة لبنان الكبير” وصولاً إلى إقرار الدستور اللبناني عام 1926. ولتحيق المبتغى في هذه المبادرة وجهت “جامعة الكسليك” متمثلة بمكتبتها دعوة مفتوحة إلى كل مَن يحتفظ بوثائق مِن صور ورسائل أو أي مواد أرشيفية ذات صلة بالتاريخ اللبناني، وفي تصوُّرها أن تلك الرسائل والمواد النادرة تساهم في توثيق تاريخ لبنان بشكل أعمق.

هذه المبادرة تأتي وقد تناسى أهل الحُكْم في لبنان مئوية الدستور اللبناني، وبحيث كان المأمول إقامة إحتفالية رئاسية – شعبية تؤكد على أن لبنان  الذي باتت عواصف النزاعات الداخلية كثيرة فضلاً عن الإعتداءات الإسرائيلية عليه وتقديم الولاء للقطب السياسي الدولي أو الإقليمي، تجاوزاً لما يوجب التمسك بدستور الوطن الذي إستقر بعد إجتهادات كثيرة وتعديلات أوجبتْها الظروف التي لا يكون الوطن سيد نفسه كما هي حال سائر الأوطان.

هنا تجدر الإشارة إلى أن الشتلة الأُولى في تربة الوطن للدستور لم تكن لبنانية وذلك بحُكم وقوعه في خارطة الإنتداب الفرنسي في العشرينات التي شملت أقطاراً عربية وأفريقية وبذلك حال هذه الخارطة قريبة الشبه مِن خارطة نتنياهو ﻠ “الشرق الأوسط الجديد”. وبحُكم ظروف الشتل ثم الإستقلال تناثرت مواقف في شأن الهوية الدستورية اللبنانية، فضلاً عن أن صيَّاغ حُقب ما بعد الشتْل الفرنسي وبدء مرحلة الإستقلال باتوا (بمن في ذمة الله بعضهم) دون مذكرات لا تفي كفاية بالمطلوب لأنها أخذت المنحى الشخصي، كما أن بعضهم ترك للزمن ومِن خلال باحثين ومؤرخين تدوين ما يمكن تدوينه، فضلاً عن أن الإدارات الرسمية لم تأخذ بالصيغة المعتمَدة لدى وزارة الخارجية في دول كثيرة وهي إغتنام مناسبة مرور ربع قرن على العلاقة بين هذه الدولة وكثير من الدول نشْر وثائق ومراسلات رغم أنها منتقاة وبحيث تعزز دورها وتغمط أدوار الدول الأُخرى.

وثمة معوقات نوعية لإنجاز ما تطرحه الجامعة مِن بينها أن مذهبية هذه الجامعة تجعل التركيز على مسعى تشكيل الهوية الدستورية اللبنانية، يحتاج إلى إعتماد الحياد إلى جانب الموضوعية، وهذا عائد إلى أن لبنان طوائفي ولكل طائفة نظرة إلى “الهوية الدستورية” للوطن قد لا تكون متناسقة مع الهدف من الفكرة الرائدة، هذا إلى أن التركيبة السكانية الرسمية للبنان متعددة القوميات إلى جانب المذهبية. وليست تلك هي الثغرة الوحيدة، ذلك أن الحالة الحزبية بتنوع تسمياتها تعيق الغاية المنشودة. ونقول ذلك على أساس أن لكل حزب أو حركة أو تنظيم في لبنان وجهة نظر في تلك الهوية. وهذه التوجهات الحزبية تلقي ظلالاً على الهوية الدستورية للوطن.

وفي هذه الحال فإن المشاركة الرسمية، أي الدولة برئاساتها الثلاث باتت مطالَبة أكثر من حقبة سنوات التراكم الحزبي بإرفاق الدستور اللبناني الذي طالما عدلَّت مواد فيه وبلورت مواد أُخرى، بصيغة إستقرار منشود للوطن، وذلك بإستحداث تعديل دستوري في شأن الواقع الحزبي وبحيث لا تتجاوز الأحزاب فيه وتحت سقف الدستور إلتزاماً لا جدال في شأن مفرداته، الحزبين في لبنان ومن دون إنعكاس ذلك على التعددية التي يتباهى لبنان بأنها رمز الممارسة الديمقراطية. لكن هذه الممارسة لا تعود سنداً للدولة وإنما التعكير الممنهَج للوضع الذي يبدأ صراعات سياسية مِن خلال التلاسن ثم يتحول بحُكم الوجود الحزبي في المؤسسة الدستورية التي هي مجلس النواب إلى أداة تعطيل لخطوات بعضها يتسم بالضرورة القصوى إتخاذها، ويتسبب التلكؤ في عدم إتخاذها وفقاً ﻟ “أجندة” هذا الطيف الحزبي أو ذاك بمعوقات لا تنجي الوطن من صواعق حربية تأتيه تدمر ما حدَث تدميره ونزْح ما باتت عليه أحوال النزوح المؤلمة، فضلاً عن إعادة عقارب ساعة تقدُّمه نحو الحياة الأفضل إلى ما وراء الوراء.

يبقى أن هذا ما يراه مواطن مثل حال كاتب هذا المقال جعل من التركيز في كتابات ومؤلفات له على أهمية الحياة الدستورية للوطن والمواطن قضية ترضي الضمير وتجعل المواطن يستحق وطنه الذي تبلورت هويته الدستورية، وتراجعت الوطأة الحزبية عليه بالتدرج.

ويبقى القول إن مبادرة “جامعة الكسليك” وفي هذه الظروف البالغة الصعوبة يعيشها لبنان تحتاج مِن قادة الأحزاب إلى مراجعة النفس بهدف إراحة الضمير.

… والله الغفور والرشيد.

فؤاد مطر .

.