الآن وقد حاولت الدبلوماسية الباكستانية إنجاز ملامح تسوية مأمول تطورها وصمودها بحيث تأخذ فيها اللعبة الصاروخية المكروهة ما يجوز إعتباره إستراحة المتصاوريخيين، فإن التفاؤل بأجواء من الهدوء سادت لبعض الوقت أجواء المنطقة قد نجدها وفْق الكلمات الطيبة مَن يتفاءل بالخير يجده. وتكتسب الدبلوماسية الباكستانية التي للجانب العسكري دور في تخفيف تعقيدات إختلاط المطالب المشتركة بأماني إنجاز التهدئة المستديمة، أنها جامعة القبول مقروناً بالإرتياح من الجانب العربي، الخليجي بشكل خاص، ومن إيران الكثيرة الحاجة للحل والإطمئنان لسعيها، ومن الجانب الأميركي الذي بعدم الحذر من الدولة النووية، فضلاً عن إرتياح من جانب الصين وروسيا للسلوك السياسي الباكستاني، رأى أن باكستان هي الوسيط المناسب الذي يسعى صادقاً لإطفاء نار أحدثتْها الصواريخ مِن كل صوب، وكان من شأن الأخذ بالتروي وعدم إستئناف تبادُل قذْفها التسبب بما يرضي الغاضب المنفعل لكنه يُلحق كثير الأذى بالآخرين.
بكلام موجز بدا في ضوء التعامل الباكستاني الحريص على أن لا يتأثر الإستقرار في منطقة الخليج، كما لو أننا قد نعيش مرحلة إستراحة المتصاوريخيين.
قد تبدو المفردة ثقيلة الوطأة لكنها تعكس أن الإقليم من أعالي إيران إلى سفوح لبنان وأنهاره مروراً بالخليج الذي نالت دوله إعتداءات غير مبررة كما نالت الثقة بالجار المسلم الأذى في غير موجباته، أمضى بضعة أشهر تحت وطأة نيران صواريخ من كل نوع تسببت في ما ينهي رب العالمين عنه حيث مطارات ومحطات توليد إستهدفت دون أحقية لذلك، وحيث أرواح أُزهقت وفتية وفتيات كانوا يحلمون بالفرح الذي سيأتي بعد أن ينهوا المرحلة الدراسية الأخيرة فإذا بهم وهم يحلمون بالمستقبل يتساقطون كما الطيور المغرِّدة بصواريخ أو هجمات مسيَّراتية دمرت البيت الذي يسكنون وتمتزج دماؤهم مع كتبهم وكُرَّاساتهم ومشاريع أطروحاتهم للتخرج وبدء الحياة السعيدة. كما تمتزج الدماء بأجساد أجداد وجدَّات وآباء وأمهات كانوا مجتمعين يتسامرون ويرددون من الآيات الكريمة ومِن أحاديث الرسول والصحابة ما يجعل الكابوس الصاروخي يعطَّل الهجمات الإبادية التي عليها. وهذا ليس كل الشر الصاروخي حيث هناك صحافيون ومسعِفون من الهلال الأحمر والصليب الأحمر يقضون إستهدافاً دون وقفة مساءلة للضمير.
تلك حال أقطار ذاقت الفعل التدميري، ويحدُث ذلك فيما المجتمع الدولي لا يتدخل وكأنما البدعة الصواريخية هي سلعة جديدة برسم الإختبار يطرحها ممتهنو إمتلاك هذه الصواريخ وينوون من إكثارها إلحاق بالغ الأذى بأرواح الناس وممتلكاتهم، وهم في هذا كانوا مجلَّين جهة التدمير والإحراق وإلحاق الأذى بالآخرين وتهجير الساكنين من مساكنهم وإرفاق التهجير بتدمير ما يمكن تدميره مِن جسر هنا ومدرسة هناك أو صيدليات تشقى من أجْل تأمين أدوية للناس المرضى، بعدما باتت أنواع كثيرة من الدواء مفقودة مقابل تكاثُر الحالات المرَضية والنفسية.
تتنوع الإجتهادات في شأن الحال اللبنانية، وكيف أن هذا الوطن مبتلى بتلاعب الآخرين في صيغته التي جاء مؤتمر الطائف يؤكد أهمية الحفاظ عليها، وجاءت مضامين بنوده تحتاج إلى التنفيذ وليس الإكثار من التفسيرات التي بعضها لم يكن صادراً عن حُسن النية . مِن هنا ليس تجنياً القول إن مجتمع الأحزاب مقروناً بتطلعات إقليمية وغير عربية أوصلت لبنان إلى الوضع الذي بات عليه ساحة للصواريخ تتساقط عليه وللصواريخ التي تنطلق من بعضٍ منه لتصيب ما أحدث تراكمات في الوضع وتعقيداً في الأزمة. ثم ينتهي الأمر بإصطفاف بيروت إلى جانب لندن وباريس كما حدَث لهما من هتلر الحرب العالمية الثانية على سبيل المثال لا الحصر عاصمة مستباحة تحوَّل بعض ساكنيها إلى نازحين وبعض أبنيتها إلى أطلال، ويتم ذلك بغرض نقْل الوطن النموذج إلى حالة لا قدرة له وطنياً وضميرياً على التسليم بها. وفي وضْعه هذا كان مثْل طريدة تنتظر موقفاً جامعاً يستنبط صيغة تجعل، على سبيل المثال الشعبي، الذئب يتخلى عن تطلعاته العدوانية ويأخذ بالتعقل والوداعة سبيلاً يحقق صيغة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشريف، خاصة أن لعاصمته دوراً محفوراً في الذاكرة وهي أن القمة العربية (2002) التي أثمرت قراراً عربياً بالإجماع عُقدت في هذه العاصمة التي كما لو أنها تُجازى بالصواريخ التدميرية لكي تحذف من ذاكرتها تلك اللحظة العربية الكريمة، ونعني بذلك القرار الذي إتخذه القادة المشاركون في القمة.
لكل عدوان نهاية ولا يطول أمد بقائه، بإستثناء العدوان الذي تتعرض له الأمة وتكتسب جولات الإحتراب صحوة في نهاية المطاف. لكن العدوان الذي يستهدف الإقليم منذ العام 1948 ليس فقط لم ينتهِ عندما أخذت مطالب الأمة صفة الجانب الذي يريد للعالميْن العربي والإسلامي إستقراراً ثابتاً وتنمية مستديمة، وإنما زاد المعتدي من تطلعاته غير الموضوعية، وراح يتصرف على إرضاخ غيره لتحقيق مأربه. وما تعيشه من إعتدءات أحدثها الظاهرة الصاروخية التي تعد حكراً على الدول، وإنما باتت مزدهرة في عهدة أحزاب وتنظيمات ما يعني أن الساحة التي لم تعد للإحتراب التقليدي الذي ينتهي بإتفاق يرعاه غير المعنيين بما يحدُث، وإنما باتت الدولة نفسها هي الساحة لمن يؤدي دوراً مقتنعاً به أو واجباً مطلوباً منه تنفيذه.
مِن هنا وحيث أن لبنان المثال غير الطيِّب على الذي يجري له ويحدُث فيه من جولات صاروخية بات في إنتظار المرجعية الدولية المقتدِرة التي تحسم أمر اللعبة الصواريخية المتبادلة. وفي قديم التاريخ ما يؤكد أن لكل شغوف بجعل الجحيم أمراً مستعذباً نهاية، وذلك لأن الحق يجيء ويزهق الباطل.. نووياً كان أو صاروخياً.
فؤاد مطر .
.
