موعد مع إلتقاط الأنفاس

نُشرت في صحيفة “الشرق الأوسط” الأربعاء 25/ 3/ 2026

في وقت ضاقت الصدور وبالذات الصدور العربية من الضربات العشوائية الصاروخية على أنواعها، والإجتياحات مقرونة بالنزوح الجديد.. نزوح عشرات الألوف من جنوب لبنان ومن سكان الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت، الذي بات علاجه على مشارف الإستحالة لكثرة تعقيداته ومعاندات تفيد في التعبئة لكنها لا تفك العُقَد المستحكِمة بالقرار.. في الوقت هذا وفيما المخاوف الحياتية المتصلة بالنفط والغاز اللذيْن باتت آبارهما وحقولهما ومصافيهما عرضة للتعطيل والإحراق أحياناً، يقول الرئيس ترمب وهو في فلوريدا يوم الإثنين 23 مارس/ آذار 2026 كلاماً بعَث بعض التفاؤل لدى سائر الولايات المتحدة الأميركية شعوباً ومصالح وخلاصته أنه في صدد “محادثات مع شخص في النظام الإيراني جدير بالإحترام”، يجريها مبعوثاه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر وما قاله الرئيس ترمب من شأنه أن ينعكس إيجاباً ليس فقط على الولايات المتحدة وإنما على شعوب العالم تتقدمهم شعوب دول الحلف الأطلسي. وهذا يعني أنه عندما تترك المواجهات الحربية آثاراً سلبية على حياة الناس ومصالحهم ومصارفهم وشركاتهم ومحطات وقود سياراتهم والتيار الكهربائي قبْل أي إستهداف، فمن الطبيعي الإستبشار تفاؤلاً، ثم في حال تَحقَّق المبتغى الذي نفترض أن رئيس البرلمان الإيراني (أي المؤسسة الدستورية لكل الشعب) هو الطرَف الذي يعنيه الرئيس ترمب بالتفاوض والذي نفترض أنه يحظى بدعم المرشد الجديد مجتبى الخامنئي ووزير الخارجية عراقجي الذي أظهر حذاقة دبلوماسية في تفاوضات مضت وإن هي لم تثمر فوراً، فإن زمن تكاثُر الصدمات سيكون على أهبة إستقبال أوضاع أفضل مما هي عليه الآن. كما بالذات إن إنحساراً لمشاعر الأسى سيبدأ بالتدرج على ما آل عليه وضْع لبنان  وبالذات عاصمته التي حالها تبعث الشعور بالحزن على ما زالت تشهده من موجات نزوح مقرونة بكثير من المآسي من بينها عائلات قضت بمن فيها الأب والأم والأبناء والبنات والأطفال بصواريخ إسرائيلية، لكن آماله تبقى معقودة على إخوانه الخليجيين وبالذات المملكة العربية السعودية التي سبق أن حققت له قبْل سبع وثلاثين سنة حالة إستقرار بدأت بإنجاز إتفاق الطائف وتواصلت بفعل حملات الإغاثة السلمانية في ساعات من الشدة.. هذا إلى السعي الدبلوماسي الذي يرمي التهدئة فالحل الثابت للمحنة. ويحضُرنا لهذه المناسبة الوصف شعراً للبنان قول الدكتور عبدالعزيز خوجة الذي شغل منصب السفير فيه “لبنان في قلْبنا نارتؤرِّقنا.. خوفاً على بلد قد عَزَّه الأزل”. وكأنما كان الشاعر السفير الوزير يقرأ في الغيب.

كما تحضُرنا النظرة التحسرية من جانب رائد الإخراج السينمائي السعودي الأكثر تميزاً الأكاديمي عبدالله المحيسن على بيروت التي هي “بيروته” بعد الذي أصابها من الإحترابات الأهلية قبْل نصف قرن وتجسيده النظرة التحسرية في فيلم “إغتيال مدينة”، وكأنما هذه العاصمة الفريدة تعيش راهناً عملية إغتيال فريدة بعد محاولة إغتيال مضت، وثابرت صبراً للتغلب على جراح أحدثها الإغتيال.

ثم تتبدد الآمال بإنتظار قرار من كبير كبار المرجعية الدولية يضع الأمور في مسارها الإنساني، وهذا ما نقرأه في الذي قاله بمفردات تفاؤلية الرئيس ترمب.

قد نجد من يقول إن أمر التفاوض ليس بهذا اليسر لأن إسرائيل قد تدخل على الخط إحراجاً للمسعى الجديد ويتم ذلك من خلال إعتداءات جديدة تضيفها وبالذات بعدما بدأت التخطيط لعملية إحتلال متدرج لمناطق من جنوب لبنان، وأن النزوح الذي إستوجبت حصوله إعتداءات مستمرة على معظم البلدات الجنوبية وصولاً إلى مشارف عاصمة الوطن المبتلى بخلافات وصراعات من بعض بني قومه، إنما هو بغرض الإحتلال. لكن ما يجاز قوله في هذا الإحتمال أن إسرائيل في حال وجدت نفسها تمارس الإعتداء من دون غطاء لها سترى في بعض الإنضباط ضرورة أمنية بل ومصيرية لها وذلك في ضوء ما أصابها بفعل إستهداف بلدات ومدن رئيسية فيها كانت خطيرة وإن هي تكتمت على حقيقة النتائج التي أسفرت عنها الضربات. ثم ليس مستبعَداً في حال أخذت مبادرة التفاوض التي أشار إليها الرئيس ترمب مداها إلى حد  التنفيذ، حدوث إنتفاضة داخل إسرائيل يرى المحركون لها أن ثلاث سنوات كافية من المغامرات الحربية التي لم تحقق مبتغيات، وأن السبيل إلى خروج الناس من الملاجىء ووقْف حالات الهجرة لجيل من الشبان والشابات مصدومين مما إنتهت إليه الأحوال نتيجة قرارات تخدم الشخص لكنها تضر الكيان هو التبصر في أعلى درجاته وإقتضاء ما بات عليه الموقف المستجَد من جانب الرئيس ترمب. ونقول ذلك من منطَلَق أن مواطني إسرائيل إعتادوا على مدى نصف قرن العيش هانئين مطْمئنين لا صواريخ تُرمى عليهم، ولا حاجة للبحث عن وظائف بمستوى كفاءات أجيالهم الشابة وشهاداتهم الجامعية، كما أن جيشهم المصان بحماية دولية بالغة الأهمية، كفيل برد أي أذى يصيبهم، ثم يرون أنهم باتوا يسكنون في الملاجىء أياماً، ويجدون شوارع وبنايات أصابها التدمير، فضلاً عن تصريحات للمسؤولين الأساسيين على مدى الأيام أحياناً يقال التصريح في الصباح الباكر وأحياناً قبْل النوم، وهذا معناه إبقاء المواطن في حال من التوتر يفسرها ما قيل رسمياً مِن أن المئات من الإسرائيليين ومِن الجنسين يحتاجون كما الكثير من العسكريين الذين إعتدوا على الأطفال والنساء والمشافي والمساجد والكنائس في غزة أو على لبنان في مناطق كثيرة للعلاج النفسي في مصحات.

يبقى أن هذه البداية على طريق إنهاء الصدمات تجعلنا نتفاءل خيراً بالأضحى الذي سيهل على الأمتين بعد شهرين  ويبدد مِن نفوس الملايين ومِن العرب والمسلمين الصدمة التي تزامنت مع شهر الصوم المبارك بما في ذلك خير الصلوات.. صلاة عيد الفطر.

وما دامت الأمة خير أمة أُخرجت للناس فإن الصبر على الكارهين والمكاره من المستحبات.

 

فؤاد مطر .

.