نُشرت في صحيفة “الشرق الأوسط”
بتاريخ الأربعاء 25/2/2026
يتملك الإنسان العربي وهو يتأمل في أحوال بعض أقطار الأمة من المآسي المفتعلة بأيدي بعض الأبناء غير البررة أو بفعل فاعلين أجانب، شعور بأن التأسيس الذي بدأه السلف المؤمن للمملكة العربية السعودية وسار في هُديه الأبناء ثم ها هم الأحفاد يؤدون الواجب في كنف خادم الحرميْن الشريفيْن الملك سلمان بن عبدالعزيز يتقدم مسيرتهم ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، أخذ بداية ثم عهداً بعد عهد بعد عهود منحى الحرص على قضايا الأمة، وبالذات ما يعانيه الموقف العربي من إرتباكات تداخلت فيها العواصف السياسية الآتية عبْر المحيطات، مع سوء تقدير البعض للتعامل بروية مع العاصفين الذين يحتاجون إلى بعض الترويض لتهدئة إندفاعاتهم. وهذه مهمة في صيغة واجب قومي درجت القيادة السعودية بالحكمة المقرونة بالحنكة القيام بها. ولقد أثمرت هذه المهمة ودليلنا على ذلك لقاءات ومؤتمرات لرموز القرار الدولي عُقدت في الرياض وجدة والطائف وأثمرت رؤى تُراوح بين ترويض رموز الأزمات وإلى درجة تهدئة جموحهم، وبين معاودة السعي الحميد في حال لم يتحقق المرجو.
وإستلهاماً لمفهوم التأسيس لجهة جمْع الشمل وإعتماد التطوير في شتى المجالات وجد العرب والمسلمون أنفسهم كيف أن المملكة باتت، وهي تزهو بذكرى التأسيس، الدولة التي تشكِّل السند القوي لقضايا الأمة والتي على نحو قول خادم الحرميْن الشريفيْن قامت على النهج، الذي يجمع بين التوحيد والعدل وجمع الشتات تحت راية واحدة.
وعند متابعة إحياء الذكرى عبْر الفضائيات وإضفاء مسحة من الإبتهاج النفسي على الواجب القومي السياسي الذي أخذتْه المملكة تجاه الأشقاء وبالذات عندما بلغ التوحش الإسرائيلي مداه في غزة، فإنني كمتابع للشأن السعودي كما العربي أجد الذاكرة تعود إلى يوم الجمعة 23 يناير/ كانون الثاني 2015 وعبارة وردت في “خطبة البيعة” ألقاها الملك سلمان تشكِّل في ضوء كلماتها الخمس عشرة خارطة طريق وتوضح بما فيه التأكيد على أهمية ما تم إنجازه في السنوات العشر حتى الآن من المسيرة السلمانية التي عضدُها ولي العهد صوناً لها ومزيداً من التطوير والتحديث. وكأنما العبارة السلمانية تلك بدت كما لو أنها عنوان مرحلة يواصل الأمير محمد بن سلمان تنفيذ محطاتها المتنوعة بين السياسة والتكنولوجيا والبهجة وترويض التقاليد بما لا يتجاوز العبارة السلمانية وهي “أبتهل إلى الله سبحانه أن يمدني بعونه ويرزقني إتباعه ويريني الباطل باطلاً ويرزقني إجتنابه”.
وفي ضوء الحقبة الأُولى من الإنجازات الموعودة بما هو أكثر أهمية مع إكتمال إنجازات متصلة بما تتطلع الأمة إلى بزوغ شمسها في العام 2030، فإن مشاعر فرح أجيال الحاضر بما أحدثه التأسيس من تطوير مهم يعقبه إنجاز أهم فالمزيد من الإنجازات، تغمر النفوس. وما هو الأكثر أهمية هو شعور مجتمع الحاضر السعودي وكذلك الأجيال الآتية بأن عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز والسير على هداه من جانب ولي عهده الأمير محمد، يحقق لهذه الأجيال الطمأنية لجهة الحياة المستقرة التي في منأى عن تشابك الأحوال وكذلك النأي عن تجاوز متطلبات الوطن المستقر، وهذا لا يعني أن القضية الفلسطينية لن تعود في مقدمة القضايا سعياً وتذكيراً وضغوطاً عند الضرورة.
وهكذا فإن ذكرى التأسيس التي يتزامن هذا العام يومها مع شهر الصوم إيمانية عربية قومية شاملة بقدْر ما هي ذكرى عزيزة على الشعب السعودي الحاضرة قيادته دائماً في بال القيادة المعقودة رايتها لخادم الحرميْن الشريفيْن الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان. أدام الله حدْبهما وتحمُّلهما الصبر على ما تواجهه بعض أقطار الأمة.
ويكتمل الإعتزاز بذكرى “يوم التأسيس” بإستحضار جزئية من الوصية التي هي خلاصة تراث الملك المؤسس عبدالعزيز، والتي أهميتها في إذاعتها أنه وثَّقها وهو على قيد الحياة. وهذه الجزئية من الوصية التي هي برسم كل مِن الأبناء والأحفاد رموز جيل التأسيس الثاني، بالنص الآتي:
“إتقِ الله فيما أعهد إليك من أمور المسلمين بعدي، يجعل لك في كربك وحزنك فرَجاً ومَخرجاً، ويرزقك السلامة وحُسن العاقبة من حيث لا تحتسب. يا بني: إحفظ محمداً في أمته، يحفظك الله، ويحفظ عليك أمورك، وإعلم أن من شدة غضب الله لسلطانه، أنه أمر في كتابه بتضعيف العذاب والعقاب على مَن سعى في الأرض فساداً، مع ما ادّخر له عنده من العذاب العظيم. فالسلطان يا بني حبل الله المتين، وعروته الوثقى، ودينه القيم، فإحفظه وحصِّنه، وذُبَّ عنه، ولا تُجاوز ما أمر الله به فى مُحكم القرآن، وأُحكم بالعدل ولا تشطط؛ فإن ذلك أقطع للشغب، وأُحسم للعدو، وأنجع فى الدواء. وإياك والأثرة والتبذير لأموال الرعية، وإشحن الثغور، وإضبط الأطراف، وأمّن السبل، وسكِّن العامة، وأدخِل المرافق عليهم، وإدفع المطاردة عنهم، وأعدّ الأموال وإخزنها. وإياك والتبذير، فإن النوائب غير مأمونة، وهي مِن شيم الزمان، وأعدّ الكراع والرجال والجند ما إستطعت، وإياك وتأخير عمل اليوم إلى الغد، فتتدارك عليك الأمور وتضيع. جِد فى إحكام الأمور النازلات لأوقاتها أولاً فأولاً، وإجتهد وشمر فيها، وأعِدّ رجالاً بالليل لمعرفة ما يكون بالنهار، ورجالاً بالنهار لمعرفة ما يكون بالليل، وباشر الأمور بنفسك، ولا تضجر ولا تكسل، وإستعمل حُسْن الظن بربك، وأسئ الظن بعُمالك وكتَّابك، وخذ نفْسك بالتيقظ، وتفقَّد مَن تثبت على بابك، وسهِّل إذنك للناس، وأُنظر في أمر النزاع إليك، ووكِّل بهم عيناً غير نائمة، ونفْساً غير لاهية. يا بني: لا يَصلح السلطان إلاَّ بالتقوى، ولا تصلح الرعية إلا بالطاعة، ولا تعمّر البلاد بمثل العدل..”.
رحم الله المؤسس الملك عبدالعزيز وسدد خطى رمزيْ ذكرى يوم التأسيس.
فؤاد مطر
فؤاد مطر .
.
