نوَّاف الجنوبي

تكتسب زيارة رئيس الحكومة اللبنانية الدكتور نوَّاف سلام إلى جنوب لبنان يوميْ السبت 7 والأحد 8 فبراير/ شباط 2026 ثلاث أهميات، أُولاها أنها المرة الأُولى التي يزور فيها بعض البلدات التي تواصل إسرائيل الإعتداءات عليها وتقريباً مرة أو إثنتين في اليوم الواحد. وتتزامن الزيارة – الجولة مع حلول الذكرى الثانية لترؤسه الحكومة قاطعاً بإنتقال له من بلدة إلى بلدة.. إلى بلدات جنوبية، كثير الكلام حول الحكومة بأنها لا تعير الجنوب الإهتمام الكافي. وثاني الأهميات أن الرئيس نوَّاف بما قاله للجموع التي إستقبلْت زيارته من الوعود الموضوعية  ما يجعل رموز النكبات الجنوبية يتفهمون مقاصد رئيس الحكومة، ولا بد كانت هنالك تعديلات جوهرية في النظرة إلى الدور الحكومي تجاه الجنوب المظلوم. وأما الأهمية الثالثة للزيارة فإنها وضعت في المشهد الحكومي بنداً أخوياً يتلخص بأن كل رئيس حكومة مِن حق الناس عليه أن يرى على الطبيعة ما فعله ولا يزال العدوان الإسرائيلي عليه. فما تراه العينان يترك الكثير من الأثر في الوجدان.. وبالتالي إتخاذ القرارات.

ويمكن القول إن نسبة كبيرة من مشاعر المرارة في نفوس الجنوبيين باتت على أهبة التلاشي بالتدرج ورصْد تنفيذ الوعود خاصة لجهة تأكيد رئيس الحكومة اللبنانية بأن الإعمار لا بد سيبدأ وأن التمويل جاهز للبدء في ما يتعلق بالبنى التحتية.

وجولة رئيس الحكومة نوَّاف سلام جاءت تجعل العودة عفوية إلى وثائق وأدبيات زمن لبناني مضى، وكان زاهياً ونخوياً إلى جانب بُعد نظر كبار الشأن في الدولة إلى مناطق لبنانية لا يتذكر الحاكم أسماءها وبالتالي لا يُدرجها ضمن إهتماماته كما لا يزورها. وفي هذا الشأن تستوقفنا جولة جنوبية قام بها الرئيس الأول للجمهورية اللبنانية الشيخ بشارة الخوري إلى بعض بلدات الجنوب وفي زمن لم يكن العدوان الإسرائيلي بدأ يستهدفها، وكان ناسها عموماً حامدين شاكرين نعمة الإستقلال الذي كان الشيخ بشارة الخوري الثمرة الأولى في شجرته التي كثيراً ما ذبُلت أوراقها بعد حين بفعل التدخلات الأجنبية وتواطؤات بعض نفوس من أهل السياسة والأحزاب.

ومما رواه الرئيس بشارة الخوري عن جولته الجنوبية بعد جولة سابقة في طرابلس ومدن الشمال اللبنانية، والتي لم يُتْبعها الذين ترأسوا مِن بعده بزيارات الأمر الذي أحدث عزلة نفسية لدى أهل الجنوب، أنه بدأ الزيارة يوم 25 أكتوبر/ تشرين الأول 1945 وكان في غاية الإبتهاج وهو يرى العلَم اللبناني ولا غيره مرفوعاً لدى بدء الزيارة بمدينة صيدا وصولاً إلى بلدة الطيْبة مسقط رأس وزعامة صديقه أحمد الأسعد الذي يُذكر في أيامنا هذه من الجنوبيين بالخير.

وفي سياق تأثره من حفاوة الجنوبيين شيعة وسُنة ومسيحيين بزيارته، وجد نفسه يستحضر الهم الناشىء عن الحراك الصهيوني الساعي إلى وضْع اليد في فلسطين، فيقول: “لا يمكن للصهاينة أن يدَّعوها لأنها إذا كانت أرض ميعادهم في الماضي فلا يمكن أن تكون أرض ميعادهم في الحاضر ففيها وُلد المسيح ومات المسيح فداء عن البشر، وفيها يقوم ثاني الحرميْن الشريفيْن ولا يمكن أن يحول حائط المبكى دونهما”. وهذا الحس الوطني العروبي يقوله زعيم مسيحي وعلى أرض الجنوب قبْل بضعة عقود مِن نشوء ثم إنتشار “حركة أمل” و “حزب الله” يستوجب التأمل حاضراً من جانب الحركة والحزب في معاني هذا الموقف الذي يحقق إلتفافاً لبنانياً وطنياً، وهذا ما يتطلع رئيس الحكومة اللبنانية نوَّاف سلام إليه.. وقد تكون جولته الجنوبية في جزئية منها التأكيد على ذلك وعلى أن الجنوب لكل لبنان كما كان في زمن الشيخ بشارة الخوري وأحمد الأسعد وسائر كرام الشأن السياسي، وليس لطرفين فقط يتقاسمان الزعامة، ولا يسهِّلان على الحكومة المضي إلى خير الحلول للبنان.

وبالعودة إلى الزيارة النوَّافية الجنوبية من الجائز الإفتراض أن رئيس الحكومة ربما مِن ضمن برنامجه وبعدما كان زار طرابلس المكلومة للمرة الثانية بإنهيارات بعض مبانيها القديمة ووطأة النازحين إليها من بلدات سورية، تبدلت أحوال شأنها كما مساكنها وأعمالها، أن يزور منطقة بعلبك – الهرمل التي قاست من العدوان الإسرائيلي ما قاسته بلدات جنوبية ويتفقد مستشفيات فيها بأمل مواصلة الواجب الإنساني الذي كان تقوم به وكما كانت عليه، وهو إذا فعل ذلك سيسجَّل له أنه رئيس حكومة ليست منشغلة البال والإهتمام بالعاصمة التي إختلط فيها التحدي الحزبي بالتطورات الحاصلة على أنواعها، الأمر الذي جعل طرْق الأبواب الصديقة عربياً وخليجياً وأميركياً غير المكتمل الفعالية. فهذا لبنان ينتظر دعماً دولياً لجيشه بأمل أن ينطلق قطار الإصلاح فيه بدءاً بجعل القانون في منتهى الحصر عليه. وها هو لا يصحح ما من الواجب تصحيحه لكي يتم إستئناف الحرص العربي عليه.

وأما المأمول الحرص عليه سلاحاً ومعدات وطمأنينة  من الولايات المتحدة فهذا ما ينتظر اللبنانيون معرفته بعدما عاد قائد الجيش الجنرال رودولوف هيكل من زيارة الولايات المتحدة وسمع من جنرالات “وزارة الحرب” من الملاحظات والمطالب ما يمكن الأخذ بها إنما بالمقابل بعد أن تؤدي الإدارة الأميركية المأمول منها القيام به لجهة وقْف الإعتداءات الإسرائيلية وإرفاق القصف المسيَّراتي لمنازل آمنين برش أرض الخيرات الزراعية بأنواع من السموم المبيدة، وهذا أمر وقف عليه شاهداً مفاعيله على الطبيعة نوَّاف الجنوبي الذي قد يجعل حكومته بعد تلك الجولة الجنوبية تتخذ من الإجراءات فعلاً وليس فقط قولاً ما تطمئن له النفوس.

والله الهادي إلى سواء السبيل والقرار الحاسم.

فؤاد مطر

فؤاد مطر .

.