عِلَّة لبنان في الحزبية والتحزب

نُشرت في صحيفة “الشرق الأوسط”
بتاريخ الأحد 1/2/2026

شعر اللبنانيون الكاظمون الغيظ من سطوة الممارسات السياسية الحزبية على حياة التهدئة التي يصبون إليها،  بكثير الطمأنينة والتعاون بالخير الذي يمكن وجوده، عندما وقع الإختيار لتشكيل (الحكومة الأُولى في العهد الجديد) على الدكتور نوَّاف سلام الآتي إلى الملعب السياسي اللبناني من المنصب الراقي الذي يشغله وهو رئيس محكمة العدل الدولية، بأن هذا اللبناني المنزَّه عن لعبة السياسة سيهدي بني قومه حكومة غير حزبية يحقق تشكيلها ما يحتاجه الشعب اللبناني من معالَجات لوضْعه المتردي سنة بعد سنوات من إضطراب في الحياة العامة ناشىء عن التدخلات الحزبية في معظم مسارات الدولة، وبالذات المتصل مباشرة بحياة المواطن ومستوى عيْشه.

وهذا التعويل على الآتي إلى سراي الحكومة التي طالما حوصرت وأحدثوا سابقاً إرتباكات في مسيرة أداء دورها ومحاولة إحراق بعض مكاتبها، له صفات مستحبة أهمها أنه ليس حزبياً ولا متحزباً، وأنه في الوقت الذي كانت الممارسات الحزبية تُمعن تعقيداً للأمور في لبنان حكومة تلو حكومة.. تلو حكومات وعلى مدى ثلاثة عقود، كان الدكتور نوَّاف سلام يواصل التبحر في القوانين العربية بعد اللبنانية فالقوانين الدولية. وهذا جعله بعيداً عن أجواء التحزب ووثيق الصلة بمتطلبات العدالة دون تمييز بين دولة وأُخرى. وهذه الشمائل القانونية سهَّلت إختياره رئيساً لمحكمة العدل الدولية وعلى نحو إختيار المرجع السياسي المصري الدكتور بطرس غالي أميناً عاماً لمنظمة الأمم المتحدة التي هي في المرحلة الراهنة خير علاج ومن خلال التشاور في رحابها لما إستجد في دول السلاح النووي وبالذات الولايات المتحدة وإيران من تحديات تطورت إلى تهديدات بالتدمير من جانب الأساطيل الحربية الأميركية للنظام الإيراني. وربما لولا السعي السعودي النصوح مِن جهة ودعوة تركيا الأردوغانية للتشاور في رحابها كلاً من الإدارة الأميركية التي تهدد بأعتى أنواع الهجوم جواً وبحراً وإيران التي تعلن بدورها أنها سترد بما يمكن أن يؤذي الإدارة الأميركية وحليفها المثقل بالإعتداءات على أنواعها بنيامين نتنياهو، لربما نفَّذت الزعامة الترمبية مخططها، ولكانت المنطقة المعوَّل على تكريسها رمز السلام والتسالم في الخارطة الدولية، باتت تشتعل ناراً بعضها ربما يكون جحيماً نووياً.

وحيث أن لبنان هو أحد أربع نقاط الإشتعال بعد العراق واليمن الحوثي وقبْل ذلك إيران، فإن تنبهاً من جانب حزبه المسلح وأحزابه المعتمِدة لغة الكلام المستفز أحياناً حتى من جانب أهل الدبلوماسية اللبنانية بديلاً للمدافع والمسيَّرات على أنواعها، مطلوب إتخاذه للإستيقاظ من أحلام السطوة الحاصلة والسطوة المستعدة للمواجهة.

مثْل هذه الحال ما كانت لتحدُث وترمي الشعب بإقلاق بالغ الحدة، لو أن الذي وقع عليه التوافق لتشكيل الحكومة اللبنانية الأولى في العهد الجديد (الدكتور نوَّاف سلام) إختار لشغل لمنصب الوزاري الأشخاص غير المنشغلين بالمسائل الحزبية حتى عند البحث وإبداء الرأي وليس الموقف بالميزانية الأُولى للدولة في العهد العوني الجديد، لا سيما أن التحزب يصب في الولاء لأطراف خارجية تبيَّن أنها عندما تلم ندائب ما بالوطن لا ينقذها هذا الحزب أو ذاك من ويلات أفرزتْها تلك النوائب.

هنا كان من شأن تضمين الدستور اللبناني الذي حلَّت قبْل أيام مئويته مادة تحدد مفهوم الحزبية وتحصر التحزب بما يعزز شأن الدولة الحديثة الإستقلال. ولو أن ذلك حدث لما كان لبنان مسرحاً بدون ستارة ولا نوافذ للعمل الحزبي على أنواعه، ولما بات وتحت ذريعة الحرية والديمقراطية يكابد الوطن والشعب المثقل بالهموم وطأة 38 حزباً في لبنان وبتسميات إبتكارية مثل “حزب” و”حركة” و”تيار” و”قوات” و”حرَّاس” و”الكتلة” و”جبهة” و”الإتحاد” و”السوري القومي” و”الراية” عوَض “البعث”، وهذا على سبيل المثال لا الحصر، ذلك أنه تأسيس حزب في لبنان هو ييُسر الحصول على ترخيص قيادة سيارة أو دراجة نارية، وهذه تكاثرت وباتت بالألوف بحيث كما بات لبنان ظاهرة حزبية لم يقدِّم للوطن ما يحتاجه من هدوء ورقي، فإن الظاهرة الدرَّاجية النارية التي باتت بالألوف لا رقيب أو حساب للظاهرة المستجَدة بسبب إزدهارها الفوضوي.

إذا كان لبنان يتباهى ما دام دولة ديمقراطية وبموجب هذه الصيغة فإن حركة الرأي والتعبير متاحة كما أن ظاهرة الأحزاب والتحزبات مثل بوابة مفتوحة على مدار الساعة، فإن ذلك معناه بقاء لبنان يتنقل من أزمة حُكم إلى أزمة، ويظل دائم الإنتظار لدول شقيقة تغيث في ساعة الشدة وتتبرع بتأمين رواتب جيشه.

هنالك دول عربية لم ينفعها إعتماد الحزب الواحد لأنه كان حزباً سلطوياً. وحتى فوضى الحزب والتحزب في لبنان أوجد علة تحتاج قبْل فوات الأوان إلى علاج ما تتسبب به للوطن، وهذا من خلال الطلب الرسمي وبموجب قرار من الاحزاب والجمعيات المتحزبة السياسية والمذهبية أن تُجري بالتشاور مع بعضها تذويب الكيانات الراهنة والتفاهم، كما في الدول التي يتباهي اللبنانيون بالصلات الطيبة معها ومنها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، على الإندماج في حزبين أو ثلاثة وضِمن قانون يلزم هؤلاء بأن يكون الولاء للوطن والعلاقة الطيِّبة مع دول العالم.

… وبذلك تتلاشى العِلة ولا يعود الوطن عرضة إقلاق من بني قومه الحزبيين والمتحزبين.

فؤاد مطر .

.