النسل شاغل البال عربياً ودولياً

نُشرت في صحيفة “الشرق الأوسط”
بتاريخ الثلاثاء 27/1/2026

لم تُثْن الحكومات الأوروبية  عموماً شغف الرئيس ترمب بالإستحواذ على الجزيرة الجليدية “غرينلاند” التي وصفها بأنها جزيرة “دفاعهم زلاجتان تجرهما كلاب”، من إبداء خشية فرنسا من حالة مجتمعية وتستند إلى أرقام رسمية أعلنها “المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الإقتصادية” وتفيد أن فرنسا سجَّلت وفيات أكثر من المواليد في العام 2025 للمرة الأُولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وهذا في نظر المهتمين بعِلْم الإجتماع والإحصاء السكاني مؤشر مقلق كونه يتزامن مع زيادة ملحوظة لكبار السن.

هذا الذي تشكو فرنسا من مفاجأة حدوثه يشمل دولاً أوروبية كثيرة تتسع فيها ظاهرة المثلية إلى جانب العلاقة العاطفية بين الشبان والشابات التي لا تأخذ بمفهوم العائلة مِن حيث أنها أب وأم وأطفال. وتساهم بعض الحكومات في تكريس ما أوردناه لجهة المثلية بالذات من خلال تصنيف الحكومة للمثليين بأنهم ومِن الجنسين مجتمع له كامل الحقوق في الحياة. وأكثر من ذلك إن الكثير من مؤسسات التربية والتعليم في معظم الدول الأوروبية يُدرج المدرِّسون والمدرِّسات في جانب من الحصص التعليمية حق الطالب أو الطالبة في أن يقرر طبيعة العلاقة مع الآخر، بمعنى ذكَر مع ذكَر وأُنثى مع أنثى. إلى ذلك فإن مشاهد عناق بين المثلييين أو المثليات في محطات النقل أو داخل المقاهي أو في الحدائق العامة، باتت أمراً مألوفاً وعلى المجتمع أن يتقَبله.

وعندما تكون تلك هي الحال فمن الطبيعي أن دولاً أوروبية ودولاً أُخرى ستشكو مما تنبهت له فرنسا حديثاً. ومن تداعيات الشكوى أن هذه الدول لن تجد على المدى البعيد ما دام التناسل على ما هو عليه، العنصر البشري الذي يحمي البلاد من خلال التطوع في الجيش. وعندما يرسل الرئيس ماكرون بضعة أفراد من الجيش إلى “غرينلاند” (وتحذو حذوه صاحبة الجزيرة الدانمرك) فهذا جرس إنذار بأن الدول التي كانت ذات شأن عسكري في دول كثيرة واصلة ذات يوم إلى إنكفاءة داخلية نتيجة أن التناسل يتراجع وكِبر السن يتقدم والأهوال من حروب كبرى ستحصل ماثلة في المشهد الدولي.

بالمقابل إن هذا الضمور في التناسل الفرنسي والأوروبي عموماً، الذي تشكو منه فرنسا يماثل شكوى مدعاة قلق لدى الحكومة السويسرية التي تشهد إختلالاً في تركيبتها السكانية نتيجة إنخفاض عدد السكان بفعل عدم التوالد، تعيشه مصر بصيغة معاكسة.

منذ كانت مصر عشرين  مليوناً في الخمسينات  ووصلت إلى مئة مليون نسمة حالياً، والدولة المصرية منشغلة البال في موضوع النسل. ولقد كثُرت الإرشادات وتنوعت الخطوات منذ زمن الرئيس جمال عبدالناصر إلى زمن الرئيس عبدالفتاح السيسي وبينهما زمن الرئيس أنور السادات والرئيس حسني مبارك، ولكن تزايُد التناسل على حاله حتى رغم التحذير من أن أي درجة في سُلّم زيادة المواليد تعني إنخفاضاً في مستوى المعيشة. بل إن أزمة كثرة التناسل التي لم تحلّها عهود الرؤساء عبدالناصر والسادات ومبارك أوجبت على الرئيس السيسي أن يقول قبْل ثماني سنوات “إن أكبر خطريْن يواجهان مصر هما الإرهاب والزيادة السكانية التي تقلل فُرص مصر في النظر إلى أمام”. كما أوجبت على أهل الفتوى إبداء الرأي في ذلك. ولكن لا إلتزام بالنصح ولا الأخذ بالمحاذير التي أوجز عضو مجلس قيادة ثورة 23 يوليو حسين الشافعي في زمن عبدالناصر مخاطر الإكثار من النسل بعبارة جاء فيها “أن ننجب عيالاً بلا قيد ولا شرط فذلك هو القتل بعينه”.

ما تشكو منه الدولة العربية الكبرى مصر يقابله قلق الدولة الإسلامية الكبرى تركيا على درجة من التشابه بالقلق السويسري والقلق الفرنسي. ويتمثل القلق في تقرير إحصائي رسمي يفيد أن الإنخفاض في معدلات المواليد سينخفض بعد ثلاثة أرباع القرن بحيث يصل إلى 25 مليون نسمة بحلول العام 2100. هنا يلفت الإتباه شعور الرئيس رجب طيب أردوغان بالقلق من هذا “المصير” ويقول يوم الأحد 11 يناير/ كانون الثاني 2016 خلال مناسبة إحتفالية “بجب أن نزيد نسلنا وعندما نتحدث إلى بعض بني قومنا نجدهم لا يحبذون زيادة عدد السكان. لكني أقول لدي تسعة أحفاد والحد الأدنى لإنجاب العائلة التركية ينبغي أن يكون على الأقل ثلاثة أطفال بإعتبارنا أمة إسلامية نرى ضرورة زيادة المواليد”. واللافت أن الرئيس أردوغان يقرُن التحذير بوصفة لمن يتزوجون تتمثل بقوله “أُعطي أهمية للنساء دورهن في تكوين الأُسرة وأُوصي الآباء والأمهات بأن يعيشوا حياة تتماشى مع أوامر ربنا وسُنة نبينا ويزيدوا الإنجاب إلى ثلاثة أطفال على الأقل”.

تبقى مسألة من الواجب أخْذها في الإعتبار وهي أن الحديث المتزايد من مرجعيات دولية عن إحتمالات الحرب التي ستكون ربما إحتلالات أو إختطافات أو إقتطاع أراضي، وكيف أن شعوب القارئين عاشت في  العام 2025 أحداثاً درامية بفعل إجراءات وتصريحات من حكام، وإشتدت حدة المواقف في الأيام الأولى من العام 2026، ما يوحي بحصول أهوال تعصف بأوطان بما فيها من مواليد أو مسنين، هي من جملة الدوافع إلى أن لا رغبة في مزيد من المواليد خشية أن يبادوا بفعل حرب كونية متقطعة على نحو ما لاقاه عشرات الألوف من المواليد في غزة وجنوب لبنان والسودان. وهنا يصبح النأي عن التناسل في جانب منه حرصاً على حياة أطفال يموتون حرقاً أو جوعاً أو غرقاً.

لكن على نحو ما بدأناه  نرى أن الظاهرة المثلية التي وصلت إلى ديار عربية كثيرة بحيث بات لها نواديها الليلية ومقاهيها كما في العاصمة اللبنانية الغارقة في جب من المتاعب، تنتظر مارة يخرجونها من الجب كما إخراج يوسف، تُمثل جزئية بالغة الأهمية في مسألة النسل والتناسل الطبيعي.. وعلى نحو ما أراده الله للبشر.

فؤاد مطر .

.