أعمال بشرية.. وأفعال قدَرية

 نُشرت في صحيفة “الشرق الأوسط”
بتاريخ الأربعاء 7/ 1/ 2026

في الوقت الذي كانت المملكة العربية السعودية بالحكمة والحرص على التكاتف تعالج حالة يمنية طارئة إستجدت بفعل مباغت وبذلك يتزايد الأمل بالحل وفْق صيغة متوازنة فلا يعود هنالك جنوبان مقلقان في الأمة (الجنوب اللبناني والجنوب اليمني)، كان العالم يفاجأ يوم السبت 3 يناير/ كانون الثاني 2026 بحدَث غير مألوف وتمثل بإعتماد الرئيس دونالد ترمب حلاً إختطافياً لرئيس جمهورية فنزويلا، ويتم إنجاز عملية الإختطاف بنجاح ومِن خلال أفراد من النخبة راوحت مهمتهم بين إقتحام قصر الرئاسة وقصْف جوي من طائرات وإنتزاع الرئيس الفنزويلي وزوجته مِن غرفة نومهما، ثم بعدما إطمأن الرئيس ترمب إلى عملية الإختطاف غير المسبوقة أعلن في بيان عبْر الفضائيات أن العملية نُفذت بمشاركة القوات الجوية والبرية والبحرية وأن الرئيس الفنزويلي مادورو أصبح في قبضة العدالة وتم نقْله إلى نيويورك حيث ستجري محاكمته بتهمة تهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة وتهديد الأمن الأميركي. وعبَّر الرئيس ترمب عن إبتهاجه بالعملية بالقول إنه “كمن يشاهد برنامجاً تلفزيونياً”. وأما موقف النظام الفنزويلي الذي تلا عملية الإختطاف تلك فتمثَّل بإعلان نائبة الرئيس “إن مكان مادورو وزوجته غير معروف” ثم إعلانها حالة الطوارئ. كما أن وزير الدفاع الفنزويلي أعلن التعبئة العامة في صفوف القوات المسلحة، فيما وزير الدفاع الأميركي المبتهج كما الرئيس ترمب والقيادة العسكرية ووزير الخارجية بالعملية يقول على الملأ تلفزيونياً “إن العملية التي تمت تاريخية وتعكس قدرة الولايات المتحدة على تنفيذ عمليات معقَّدة في أي مكان”.

وهكذا يكون العالم إستيقظ من إغفاءة إبتهاجه بحلول عام جديد مع الأمل بأن يحمل في طياته حالة إستقرار تخفف عن ذاكراته أثقال المحنة الغزاوية والمأزق السوداني والخوف المستديم لدى اللبنانيين ومثْلهم الشعب الأوكراني، لتتم مباغتته بحالة إختطاف غير مسبوقة، وإن كانت عمليات خطْف طائرات مدنية كتلك التي قامت بها على سبيل المثال ليلى خالد حدثت قبْل ربع قرن. لكن ليلى الفلسطينية أدت المهمة بأمل إستيقاظ العالم الغافي والنظر في قضية وطنها المازال مؤجّلاً حسْمها، فيما العملية الترمبية إختطفت رئيس دولة ضِمْن مجموعة دول أميركا اللاتينية.

عملية إختطاف رئيس دولة (فنزويلا) حلقة جديدة في مسلسل الإختطاف الأميركي (صدَّام حسين. معمَّر القذَّافي. مانويل نورييغا. قاسم سليماني) هي الإختبار الأول لما أراده الرئيس ترمب إستبدال تسمية “وزارة الدفاع” ﺒ “وزارة الحرب”. وعلى رغم حصْر العملية بجزئية من مفهوم وزارة الحرب، إلاّ أنها ستذهب في الذاكرة لدول أميركا اللاتينية كحالة محتمَلة أن يصيب أي دولة منها إذا إقتضى الأمر الأميركي ما أصاب فنزويلا. وعلى نحو المثل الشعبي “أُكلتُ يوم أُكل الثور الأبيض”.

هنا من مصلحة رموز الحالات العالقة مع الإدارة الترمبية، وبالذات إيران أن تنظر إلى الأمر بنوع من رجاحة التفكير، ومِن دون إعتبار واقعة فشل العملية الجوية ضد إيران الخمينية لفك أسْر الدبلوماسيين والعسكريين المحتجَزين في السفارة الأميركية في عهد إدارة الرئيس جيمي كارتر، واردة الفشل في حال نفَّذ الرئيس ترمب وعيده تجاه إيران الخامنئية، خصوصاً بعدما باتت مظاهرات الإحتجاج على الأحوال المعيشية تتواصل وتتمدد في إيران. ومع أن رموزاً في النظام الإيراني وبالذات المرشد خامنئي والقادة الأمنيين والحرس الثوري أبرزوا أنيابهم فليس ذلك إبتساماً وإنما إستعداداً للإنقضاض على مَن يحاول إمطارهم بأحدث الصواريخ وخطْف بعض القادة وعلى نحو الذي جرى بين غمضة وإلتفاتتها بداية تغيير الحال في فنزويلا حليفة النظام الإيراني، وبصرف النظر عما إذا كان ذلك يتصل بتهريب المخدرات أو بما هو الشغل الشاغل للدول الكبرى، أي الذهب والفضة والمعادن وكذلك النفط الذي قد تكون بعض الدراسات تشير إلى أن الإحتياطي الذي لا يُستعمل قارب على النضوب ولا بد لأصحاب التخزين إستباق ساعة ما قبْل الصفر للنضوب، بنفط الآخرين وبالذات فنزويلا التي وفْق دراسات هي الأكبر بين دول العالم من إحتياطات النفط، كذلك بضعة آلاف طن من الذهب إلى جانب المعادن على أنواعها وكذلك خيرات سهولها من البن.

وعلى هامش الغزوة الترامبية التي أبهجت نفْس آمرها فقال إنه “كمَن يشاهد فيلماً تلفزيونياً” ثمة إفتراضات متداعية قد يعيشها العالم الذي مطلعه الغزوة الترمبية ومنها أن الرئيس بوتين يمكن أن ينفِّذ عملية مشابهة وبحيث يصبح رئيس أوكرانيا زيلنسكي ضيفاً مكبل اليدين في موسكو، كما يمكن أن ينفِّذ الرئيس الصيني عملية يصبح بموجبها مَن يحكم الصين الوطنية في محكمة في بكين، كما  أيضاً وأيضاً تفعل كوريا الجنوبية عملية مماثلة تجاه الشمالية أو العكس بإعتبار أن هذه تمتلك النووي.

ولم يقتصر التباغت للآملين من بني البشر على أن العام الجديد سيزيل بالتدرج صدمات العام المنصرم على أنواعها ومعظمها بين السيء حربياً والأسوأ إقتصادياً وبطالة مستشرية في بعض دول القارات الخمس، فجاء أكثرها مفاجئاً وصادماً بإختطاف رئيس دولة مستكينة لتتم محاكمته في الدولة العظمى بفعل عمل عسكري حربي، وإنما كان هنالك فِعْل مأساوي مِن صنْع الأقدار. وكلاهما مدعاة إستغراب: الأول هو ما أوجزْنا حدوثه ويختص بخطف رئيس دولة في عتمة ليل ويُخشى أن يصبح نهجاً طوال الولاية الرئاسية ويستهدف من الدول أغناها فوق الأرض وتحتها من خيرات. أما الثاني الذي هو مِن صُنْع الأقدار فيتمثل في المأساة التي حدثت تزامناً مع العملية الحربية العسكرية الأميركية الخطفية، في منتجع  مكانه إحدى مناطق سويسرا التي هي المثال في الدقة والتنبه، ويذهب ضحية الحريق الحاصل في جمْع ساهر وسعيد بإستقبال العام الجديد 40 ضحية وعشرات المصابين، مع التكتم من جانب الجهات الرسمية على العدد النهائي للمصابين إحتراقاً ومكان علاجهم. وكأننا بسويسرا هذه الدولة المتباهية بدقة الساعات التي تصنعها مؤسسات عريقة فيها، باتت دولة تفتقد الدقة في منتجعاتها الشتوية بالذات والتي هي مقصد الكثيرين من دول العالم وبالذات العرب منهم. وهكذا حريق غير محتسَب علاجه إذا حدَث فجأة يحوِّل عشرات المبتهجين إلى أجساد محروقة. هنا يكون الذي حدَث من الأفعال القدَرية التي عوائدها كتلك الحالات التي تسقط فيها الأرواح بفعل قذائف البنادق والرشاشات والمسدسات والصواريخ.

أعان الله شعب فنزويلا والرحمة كما الشفاء للذين شملتْهم الأقدار بمحنة.

فؤاد مطر .

.