قمة تستبق الأعظم

نُشرت في صحيفة الشرق الأوسط
بتاريخ الأربعاء 17/ 12/ 2025

بعد الحدة في المواقف الأميركية وتراجُع نوعي لإحتمالات التسوية الحافظة كرامة كل أطرافها (الأطلسي منهم والروسي) باتت ضرورات الأمان والإستقرار الدولي من القطب إلى القطب تتطلب المسعى المستنير لعقد قمة لرموز الصراع المخيفة إحتمالات تَطوره إلى مواجهة، وبالذات بعدما رفع الرئيس الروسي منسوب التحدي أواخر الشهر الماضي (الخميس 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025) من خلال قوله: “مِن المهم ضمان إعتراف المجتمع الدولي بمكاسب روسيا في أوكرانيا ويجب على القوات الأوكرانية الإنسحاب من الأراضي التي تحتلها ثم يتوقف القتال وإذا لم تغادر فإن روسيا ستحقق ذلك بوسائل قواتها المسلحة”. وزيادة في التحدي المقرون بالتنبيه قال “إن قوات روسيا تتقدم بوتيرة أسرع على الأرض، وهنالك البعض يطالب بمواصلة القتال حتى آخر أوكراني وروسيا مستعدة لذلك…”. ومقصود بهذا الكلام الدول الأطلسي التي تعزز شأن أوكرانيا معنوياً وتسليحاً بغرض أن تتراجع روسيا البوتينية عن مطالبها التي تحتاج إلى تبريد درجة السخونة فيها، والتي تشبه سخونة تحديات الرئيس ترمب إزاء فنزويلا. ثم يأتي في اليوم نفسه تنبيه بابا الفاتيكان لاوون الرابع خلال زيارته إلى تركيا بقوله “في أعقاب حربيْن عالميتيْن نشهد فترة من الصراع العالمي الحاد وتهيمن عليها إستراتيجيات القوة الإقتصادية والعسكرية وهذا يمهد الطريق لحرب عالمية ثالثة ثم على مراحل…”. وعندما قام بعد تركيا بزيارته الأولى له إلى لبنان كرر بالتنبيه نفسه ما قد ينشأ عن الصراع العربي – الإسرائيلي حرباً إقليمية تتطور إلى حرب عالمية.
هذه الحالة من التحديات التي يتزايد منسوب عناد رموزها تستوجب إجتماعاً على مستوى القمة في رحاب طيف عربي – دولي بات رمز تهدئة متدرجة للصراعات. ونعني بهذا الرمز ولي عهد المملكة العربية السعودية رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان الذي أثبتت جدواها نسبياً اللقاءات الثنائية والموسعة التي إستضافها أو تلك التي عقدَها خلال زياراته الخارجية. وفي العودة إلى ما حدَث من تهدئة متدرجة ونسبية في مواقف أطراف دولية وبالذات الموقف الروسي – الأطلسي والروسي – الأميركي فضلاً عن الأميركي – الإيراني، يصبح من المأمول جمْع رموز المِرجل الذي ما زال في بداية سخونته وبحيث لا يصل إلى درجة الغليان فالفوران مواجهات جوية أو أرضية أو شاملة إلى درجة الإحتراب.
وفي ضوء هذه الصراعات المقرونة بأعلى درجات التحديات والتهديدات، فإن قمة أميركية _ روسية_ فنزويلية_ إيرانية من شأن تقدير موقف المستضيف تحقيق تهدئة تمهد إلى حلول أو تسويات، فضلاً عن الحرص على أن لا تحرق نيران المواجهات إذا حدثت الأخضر والأقل إخضراراً من مشاريع التنمية في دول كثيرة رصدت ميزانيات من أجْل التنمية ومواكبة التطورات العِلْمية والإلكترونية التي يتصدرها من حيث الأهمية الذكاء الإصطناعي. هنا نذْكر على سبيل المثال لا الحصر مشروع “قطار حُلم الصحراء” السعودي المقدَّر له أن يكون الأحدث والأهم بين قطارات الدول الكبرى.
وإنعقاد مثْل هذه القمة حاجة ملحة لكل المشاركين كون الأزمات الإقتصادية تتفاقم في معظم هذه الدول فضلاً عن إضطراب أسواق النفط والغاز، كما لجوء كبار الشأن الدولي إلى إجراءات إقتصادية غير مسبوقة بهذه الحدة، خصوصاً في الولايات المتحدة وفي بريطانيا التي تعيش تداعيات ضرائبية كما فرنسا، وبطبيعة الحال معظم دول العالم الثالث الذي تتطلع شعوبه إلى إنفراجات دولية من شأنها تحقيق إنفراجات معيشية.
ويبقى أن فرصة إستباق ما هو أعظم، أي المواجهات التي إذا بدأت في قارة ستكون سائر الغارات الخمس أطرافاً إضطرارية فيها بشكل أو آخر، متاحة ما دام هنالك الطَرَف العربي _ الدولي الأكثر تفهماً مقروناً بالنصح لرموز الصراعات. وهنا يستوقفنا تأكيداً لذلك حول مسعى ولي العهد السعودي لتثبيت أساسات البنيان السوري الجديد، أن خطوة غير مسبوقة الحدوث تمت وتمثلت يوم الخميس 4 ديسمبر/ كانون الأول 2025 بقيام وفد من ممثلي خمس عشرة دولة أعضاء في مجلس الأمن بزيارة إلى دمشق “من أجْل دعْم وحدة سوريا وسيادتها”. وبدت هذه “الزيارة الأممية” الأُولى من نوعها وكأنما هي في بعض مستلزمات القيام بها من جملة مفاعيل الإستنهاض السعودي للدولة السورية تناغماً مع المبادرة الأكثر أهمية وهي قيام الأمير محمد بن سلمان بتقديم وتعريف الرئيس ترمب بالرئيس أحمد الشرع.
ويبقى أن إشراك كل من رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو ورئيس إيران مسعود بزشكيان في القمة المأمول عقْدها هو أمر طبيعي بحُكم أن الدولتيْن عضوان في منظمة “أوبيك” شأنهما في ذلك شأن السعودية ودول الخليج.
كما أن رعاية محادثات من جانب ولي العهد السعودي بين مثلث الإنفجار الذي يتطلع العالم إلى عدم حدوثه كونه نووياً، تبدو خطوة ثانية تكْمل ما سبق وحدَث من قبْل في قمة إستضافها بغرض نزْع فتيل الإنفجار الروسي _ الأطلسي وهو فتيل ما زال في إنتظار تعطيله نهائياً، قابلاً للإشتعال في ضوء ما يصدر من تصريحات مِن هذه الأطراف كل لدواع تعنيه، من دون الأخذ في الإعتبار “إن الحرب أولُها كلام”. لا قدَّر الله حدوثها… هذا شرْط إنحسار كثرة الكلام.

فؤاد مطر .

.