ضميرية عسيرية حول المملكة وباكستان

نُشرت في صحيفة “الشرق الأوسط”
بتاريخ الأربعاء 3/12/2025

كنا في إستمرار عندما ترحل قامات سياسية دبلوماسية عربية، وبالذات الذين لهم بصمات في صفحات التاريخ العربي المخضرَم، ومِن هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر الأمير سعود الفيصل وشارل مالك ومحمود فوزي ومحمد أحمد محجوب ومحمود فوزي، نتمنى لو أن هؤلاء كتبوا فبْل رحيلهم، على نحو ما فعل محمود رياض، مذكراتهم ونشروها في كُتب، وبذلك يتركون للأجيال ما يفيد من حيث التوضيح إلتباسات كثيرة، والإضاءة على مواقف كانوا فيها مِقْدامين سواء في المحيط العربي “إتفاق الطائف” أو في المشاورات الأممية. مِن هنا خيراً فعَل الشيخ جميل الحجيلان عندما كتب القليل من الكثير عن مسيرته الأمينية (مجلس التعاون الخليجي) بعد الوزارية (حقيبة الإعلام) وبينهما الواجب الدبلوماسي سفيراً للمملكة لدى دولة الكويت.

في السياق نفسه يدوِّن الدكتور علي عوَّاض عسيري سفير المملكة في أكثر دولتيْن مرهِقتيْن لمن يمثِّل بلاده سفيراً فيهما، بعض ذكرياته عن باكستان وذلك لكثرة التعقيدات المجتمعية والنزاعات السياسية المغلَّفة أحياناً بالمذهبية، فضلاً عن أزمات جوارية تترك تداعياتها على ما يتمناه الشعب من حاكميه.

بداية شغَل علي عوَّاض عسيري الواجب الدبلوماسي سفيراً لدى باكستان، ثم تشاء موجبات الحضور الدبلوماسي في لبنان الذي يعيش وضعاً سياسياً بالغ التعقيد كما الحال في باكستان، تعيينه سفيراً لدى لبنان الذي من خلال خبرة سنواته الباكستانية (منذ 2001 إلى 2009) يحاول رتْق ثوب المجتمع السياسي – الحزبي – الطوائفي في لبنان. ولقد بذل في سنواته اللبنانية من المحاولات ما تستحق الإضاءة عليها. وهو إفتراضاً سيفعل ما دام دوَّن في كتابه الصادر قبْل أيام والمعنون “السعودية وباكستان. علاقات راسخة في عالم متغيِّر” وعلى نحو ما سبق من جانب الأمير تركي الفيصل (رئيس المخابرات السعودية الأسبق والسفير الأسبق لدى الولايات المتحدة وبريطانيا) تصنيفها (أي العلاقات) بعبارة “ربما تكون إحدى أوثق العلاقات في العالم بين بلديْن دون وجود أي معاهدة رسمية بينهما”. وهي عبارة توَّج علي عسيري بها مقدمة كتابه مصنِّفاً العبارة بأنها “أفضل وصْف للعلاقة بين المملكة العربية السعودية وجمهورية باكستان الإسلامية”. وفي تركيزه على تجربة الأمير محمد بن سلمان يقول في هذا الصدد “تؤكد رؤية الأمير محمد أن المحرِك الأساسي لسياسة المملكة الخارجية هو ضمان الرخاء المستدام للشعب السعودي والإزدهار والإستقرار للمنطقة والتوصل للمصالحات وحل الصراعات في الشرق الأوسط وتتلاقى هنا بمبدأ السياسة الخارجية الباكستانية القائم على إعطاء الأولوية لتعزيز العلاقات مع الدول الإسلامية” كما يشير إلى أن “التحالف الإستراتيجي بين المملكة وباكستان شهد تطوراً ونجاحاً كبيراً منذ التسعينات. دائماً هنالك رؤى جديدة وتواصُل وتنسيق أحياناً وزيارات متبادَلة ودائماً خلال القمم التي يدعو إليها محمد بن سلمان إلى عقْدها في الرياض أو يشارك الطرفان في قمة أو في مؤتمرات إقتصادية أو سياسية إضافة إلى التنسيق العسكري المستمر والمتطور والمبني على ثقة الطرَف السعودي بباكستان”.

يبقى القول إن كثيرين من جيل الدبلوماسية المعاصرة والتي تليها سيعرفون الكثير من خلال كتاب علي عسيري “السعودية وباكستان” (الذي توَّج غلافه بصورة لقاء تاريخي شهده قصر “المربع” في الرياض بين الملك عبدالعزيز والرئيس الأسبق لباكستان غلام محمد أثناء زيارته المملكة عام 1953، وهو لقاء من حيث المبادِر الباكستاني بمثل المبادِر الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت قبْل ثمانية أعوام الذي حرص على الاجتماع والتحادث مع الملك عبدالعزيز على ظهر طرَّاد في البحيرات المرة يوم 15 فبراير/ شباط 1945) الكثير عن باكستان الذراع الإسلامية غير العربية الأكثر متانة تجاه قضايا الأمة، وفي صدارة هذه القضايا المصير المتأرجَح الأخذ به للمسألة الأساس التي هي “الدولة الفلسطينية”. وما يلفت الإنتباه في هذا الكتاب الذي يجمع بين المذكرات والبحث السياسي أن مؤلفه إستند أيضاً في 15 صفحة بالإنكليزية إلى مراجع وأبحاث، وبذلك يحفِّز الباكستاني وغيره من المهتمين أو الفاعلين في سياسة الثنائي العربي – الإسلامي (السعودية وباكستان) على معرفة كُنه أواصر علاقة غير مسبوقة الحدوث بهذه الإستمرارية والتطوير وبما يحقق للأمتين مع الوقت الأماني المؤجَّلة وهي كثيرة”. كما يقول المؤلف بالمنظار الدبلوماسي السياسي المتابع للتطورات عن الرؤية إياها (2030) إنها “المحرِّك الأساسي لسياسة المملكة الخارجية” وأن الأمير محمد بن سلمان “هو ضمان الرخاء المستدام للشعب السعودي والإزدهار والإستقرار للمنطقة والتوصل إلى المصالحات وحل الصراعات في الشرق الأوسط وأنها تتلاقى هنا بمبدأ السياسة الخارجية الباكستانية القائم على إعطاء الأولوية لتعزيز العلاقات”.

ويلمس القارىء بإهتمام في هذا البحث – الذكرياتي للدكتور عسيري المشاعر الضميرية من جانبه للقيادة السعودية وبالذات لتجربة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان الذي أعطى حديثاً العلاقة بين المملكة وباكستان المزيد من الصلابة، ويقول في هذا الصدد “إن رؤية 2030 تنسق مع تركيزها على التنويع الإقتصادي والتنمية المستدامة إتساقاً جيداً مع المصالح الإقتصادية الحالية باكستان”. كما أن موقع باكستان الإستراتيجي ومشاركتها في “الممر الإقتصادي الصيني – الباكستاني” يعزز العلاقات المشتركة.

ويلمس عسيري حالة فريدة في العلاقة بين المملكة العربية السعودية وباكستان يوجزها بالقول “تتبدل الحكومات بشكل مفاجئ وتتكاثر. في هذه الحالة يهم السعودية أمر باكستان خصوصاً أن رئيس الحكومة البديل يحافظ على ما سبق، إضافة إلى تمتين الأواصر مع المملكة”.

وأما محمد نواز شريف الذي شغل منصب رئيس الحكومة الباكستانية ثلاث دورات فإنه في تقديمه لكتاب صديق باكستان علي عواض عسيري قال في تقديمه “كانت السعودية هي مَن أنقذت باكستان من الآثار المدمرة للعقوبات الإقتصادية بعدما إتخذت حكومتي الثانية خطوة جريئة لجعْل باكستان القوة النووية الأُولى في العالم…”.

وهكذا نلحظ مسحة ضميرية وفائية في كلام الإثنيْن: علي عسيري ونواز شريف.

فؤاد مطر .

.