لبنان غير المستقل كفاية

نُشرت في صحيفة “الشرق الأوسط” بتاريخ السبت 22/11/2025

قبْل ثلاثة عقود أضاف الأستاذ غسان تويني إلى متاعب الصحافة وتعامُله كناشر لصحيفة “النهار” أورثها إليه والده فأورثها بدوره إلى الإبن ثم الحفيدة، مع الأزمات السياسية اللبنانية، عملاً توثيقياً حول إستقلال لبنان الذي بات في سن الشيخوخة ورغم ذلك لا رعاية على النحو المأمول من بني قومه. ودليلاً على ذلك أن الأزمات السياسية تتوالى دون إستراحات عابرة، أزمة تورث أزمة فأزمات. وما يعيشه لبنان حاضراً يؤكد ذلك مع فارق أن الزمن السياسي اللبناني كان موسوماً بقامات تمارس السياسة بأصول وعندما تشتد الأزمة يقرر أطرافها موجب وضْع صيغة توافُق لها.

ذاك العمل التوثيقي عبارة عن مجلد يتضمن عشرات الصور والوثائق التاريخية لحقبة لبنان الرازح تحت الإنتداب الفرنسي ثم المستقل لاحقاً. وفي ذلك الزمن كان نواف سلام في مطلع شبابه آملاً في تحضير يحظى بوظيفة تناسب كفاءته ثم تشاء الأقدار أن يشركه غسان تويني في إنجاز العمل التوثيقي إلى جانب فارس ساسين ويتم إنجاز العمل المزوَّد بعشرات الصور والوثائق النادرة للمرحلتين ورجالها، مرحلة النضال من أجْل نيْل الإستقلال ومرحلة ما بعد شروق تلك النعمة وغياب الزمن الذي كان فيه الجنرال كاترو يمارس في الميدان السياسي اللبناني ما بات يمارسه غازي كنعان في لبنان تنفيذاً لنوازع نظام الرئيس حافظ الأسد، الذي كان يروم تحقيق تجربة وحدوية سورية – لبنانية تصمد نقيض الجمهورية العربية المتحدة بين سوريا الرئيس شكري القوتلي ورجل الإستخبارات المتمكن عبدالحميد السراج، ومصر عبدالناصر وهي صيغة ما لبثت أن إنتهت بإنقلاب قام به ضباط في الجيش السوري.

وما يلفت في مسألة إستقلال لبنان وكانت من ضِمْن مدونات كتاب غسان تويني بالتعاون مع الأرثوذكسي فارس ساسين والسُني  نواف سلام (الرئيس حالياً لحكومة غير مستقرة) ، موقف الرئيس الأميركي فرنكلين روزفلت في رسالة بعث بها إلى الرئيس الفرد نقاش تتضمن “التعاطف مع أماني الشعب اللبناني في الإستقلال التام إنتظاراً لليوم الذي يتمكن فيه أن يمارس في ظل السلام ممارسة تامة ذلك الإستقلال دون أن تحد منه ظروف الحرب القاهرة”.

في الثالث والعشرين من نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 يكون عُمْر الإستقلال بات في الثانية والثمانين من العمر ومع ذلك لم يُعطَ حقه من الذين حكموا ومِن أحزاب لبنان التي توالدت وكثرت ومِن بعض اللاعبين والمتلاعبين في مصائر الأوطان. بل حتى بسبب المناكفات والصراعات العبثية لم يُتح للبنانيين الحادبين على الوطن الإحتفال بالذكرى الوطنية كما يحتفل السعوديون بيومهم الوطني ويحتفل الفرنسيون حكومة وشعباً وجيشاً بذكرى الرابع عشر من يوليو. ويقال الشيء نفسه عن دول وشعوب أُخرى.

وما يلفت الإنتباه أيضاً هو إستباق بطريرك الطائفة المارونية (طائفة رئيس الجمهورية) الذكرى الجديدة للإستقلال بإحياء دعوته إلى إعتماد الحياد حلاً يستقر الوطن بموجبه، وهي دعوة سبق أن نادى بها قبْل سنتين إلاَّ  أن التفاعل معها لم يكن على النحو المطلوب، وربما من أجْل ذلك يجدد التذكير بما إقترحه ويقول في عظته الجديدة “لقد وعد الرئيس جوزف عون في خطاب القَسَم بممارسة الحياد الإيجابي فإرتاح معظم المواطنين كون الحياد لا شرق ولا غرب يحيي الوحدة الوطنية ويومِّن الاستقرار والإزدهار والنمو الإقتصادي ويساهم في السلام العالمي، والدليل حضور سويسرا المحايدة العالمي القوي على الساحة السياسية والإقتصادية”. ومع أن البطريرك متمسك برؤيته هذه، إلاّ أن التنفيذ لا يبدو بالأمر اليسير بسبب كثرة الإنتماءات في الوسط السياسي ومتنوعيْ هذا لدولة كبرى وذاك لدولة كبرى أُخرى وكثرة أحزاب أيضاً هواها ليس نقياً لبنانياً بما يكفي. مِن هنا فإن إقدام الحُكم في لبنان على طرْح فكرة الحياد برسم الإستفتاء من شأنه أن يكون حلاً وعندها سيتضح المعدن اللبناني بمعنى هل يكون آخذاً بصيغة الحياد، أم رفضاً له. وعملية الإستفتاء مألوفة في الأزمات الصعبة التي تعيشها دول عدا تلك التي تصاغ نتائج الإستفتاء لمصلحة الحاكم، كما حدث في دول عربية كثيرة، والتي تصل مفاعيل الأزمة بالنسبة إلى لبنان إلى حد أنه عندما تحل ذكرى وطنية عزيزة على الوجدان مثْل ذكرى عيد الإستقلال فإن أولياء الأمور والنزاعات يتصرفون وكما لو أنها مناسبة عادية غير جديرة بإحياء ظروفها وغرْس مفاهيم الإستقلال في نفوس أجيال جديدة بحيث لا تصل الحال بهم على نحو ما هي عليه حال الأقدمين.

لعل لبنان السياسي والحزبي يهتدي وقد خلدت العصبيات المذهبية إلى السكينة ويحتفل الجميع بالذكرى الجديدة للعيد الوطني وبأسلوب غير أحادي على نحو إحتفالات “حزب الله” بمناسبات روحية أو كشفية. وفي هذه الحال يصبح اللبنانيون كلهم للوطن للعلى والعَلَم.

فؤاد مطر

فؤاد مطر .

.