المفاجأة السمراء.. بعد البيضاء

 نُشرت في صحيفة “الشرق الأوسط”
بتاريخ الثلاثاء 11/11/2025

كأننا بالمفاجأة المتمثلة بفوز زهران ممداني وبالأسلوب الديمقراطي يثأر هذا المهاجر الأسمر كما السمراء الأُخرى كاميلا هاريس التي كادت تقطف الفوز بالرئاسة، للرئيس الأميركي السلف جو بايدن الذي ما زال الرئيس دونالد ترمب يقذف بصواريخه الكلامية حقبة هذا الذي كان سيد البيت الأبيض وتحدى حزبه دونالد ترمب المرشح للرئاسة بتسميته كمالا هاريس منافسة له نالت هذه بدورها من ترمب خلال حملته ثم بعد الحملة التي أثمرت فوزه الهُزء بمختلف مفرداته. كذلك يشمل الثأر الرئيس الأسبق باراك أوباما الذي طالما نال من الإستهانة الترمبية الكثير. ولنا على سبيل المثال “إسقاطه” صوَرياً من جدار البيت الأبيض المزيَّن بكل رؤساء الولايات المتحدة عدا بايدن وأوباما. ثم يأتي الفوز المبهر والمباغت للأميركي الجنسية الأوغندي الولادة والأصل زهران ممداني رئيساً للولاية الأكبر نيويورك الأهم بين الولايات يوم الثلاثاء 4 أكتوبر/ تشرين الأول 2025 يسجل حدثاً غير مسبوق في التاريخ السياسي والشعبي الأميركي يماثل في نوعيته الفوز المبهر والمباغت الآخر للأفريقي الأصل الأميركي الجنسية باراك أوباما ونجاحه في ولاية رئاسية تُغضب مَن لم تتحقق له دونالد ترمب الذي خطف الفوز منه جو بايدن، ويزيد من إكثار الرئيس ترمب قذائفه أن المفاجاءات كانت بفعْل تفوَّق الحزب الديمقراطي على “حزبه” الجمهوري وأن “الجواديْن” اللذين تحدى بهما “حزب الفيل” الحزب الديمقراطي لم يحققا الفوز المرجو: جون ماكين الجمهوري خسر أمام باراك أوباما في إنتخابات 2008 وميت رومني الجمهوري خسر أمام أوباما في إنتخابات الرئاسية الثانية (2012).

ولقد إفترض ترمب بعد فوزه المبهر وما تلا الفوز من مواقف ومبادرات وتقريع بالخصوم أن شمس “الزمن الجمهوري” ستشرق من جديد في عهده وبحيث لا تعود التسمية “الحزب الجمهوري” وإنما “الحزب الترامبي” القادر على أن يجترح المبادرات التي تنسجم مع رؤيته إلى “أميركا الأعظم”، وكانت له في هذا الصدد عبارات وتعبيرات واضحة على الوجه وعلى القامة شملت حتى الصينيين الذين يتصرفون وفْق تربية حزبية سياسية جازمة، غير مأخوذ بها في الأسلوب الرئاسي الأميركي بالذات لجهة التخاطب، كما شملت أقواماً من دول ومقامات في القارات الخمس، ثم تأتي مفاجأة معمداني فوزاً برئاسة بلدية نيويورك (وكذلك فوز ميكي شيريل من الحزب الديمقراطي أيضاً بمنصب حاكم ولاية نيوجرسي هازمة المرشح الجمهوري المتطلع إلى أن يحوز المنصب خلفاً للديمقراطي جاك تشيتاريلي) لتجعل فوزها وهي ذات الخبرة في الأمن القومي كأول إمرأة تنتمي إلى الحزب الديمقراطي تتولى منصب حاكم نيوجرسي وبذلك حققت أمراً مهماً يتمثل في أنها المرة الأولى التي يحتفظ فيها “الحزب الديمقراطي” بمنصب حاكم ولاية نيوجرسي لثلاث إنتخابات متتالية على مدى ستة عقود.

حاول الرئيس ترمب بقذائفه إبهات النصر الذي حققه ممداني مثْل أنه شيوعي، مقترفاً كلاماً غير مستحب مثل “إن أي شخص يهودي يصوِّت ﻟ زهران ممداني الكاره لليهود المثبَّت والمعلَن هو شخص غبي” مع الوعيد غير المستحب بأنه لن يمنح مدينة نيويورك في حال “فوز هذا الشيوعي” “سوى الحد الأدنى من الأموال الفدرالية”.

كان فوز هذا الشاب الأميركي الأوغندي الأصل نوعاً من تطييب خاطر عشرات الألوف من طلاب الجامعات والمنظمات الأهلية الذين ألحقت الإدارة بهم أنواعاً من العقوبات الردعية وذلك لأنهم شوشوا بالتظاهرات التي قاموا بها لدواع إنسانية لا علاقة لها بالثورية ولا بالشيوعية ولا بالإشتراكية الأوصاف التي يدمغ بها النهج الترمبي الذين يعترضون على إجراءاته الحكومية المعيشية وعلى عدم التصرف بعدالة أزاء ما تعرَّض له الشعب في غزة من إقترافات بنيامينية ما كانت لتتواصل لأن الإدارة الأميركية صمتت دهراً ونطقت بعد ثلاث سنوات إجراءات غير فعالة أزاء العدوان الإسرائيلي الذي يتواصل ضد لبنان الدولة المفترَض أنها شكلاً ضِمْن فضاء سياسة الإهتمام الأميركية. وبدا الفوز بمثابة مؤشر إلى أن حالة نهوض أو فلنقل إستنهاض شبابية ربما ستشهدها الدولة العظمى بالتدرج، إلاّ إذا إرتأت الإدارة الأميركية إحداث إنفراجات في معظم المجالات، ولا تبقى راعية النخبة المقتدرة مليارياً. وهنا يؤخذ في الإعتبار إطلاق إدارة الرئيس ترمب إشارات للأميركان اليهود بأن لا يقترعوا للممداني، ودعوة إسرائيل من جانبها اليهود إلى الهجرة من نيويورك وفي نواياها من ذلك أن عاصمة المال في الولايات المتحدة ستصبح غير ذات أهمية كون معظم قطاعات المال والمصارف والتجارة والأبراج والمناطق السكنية الفاخرة من ممتلكات أفراد في الطائفة اليهودية.

بدل أن يتأمل هؤلاء المعظمهم إغتنوا بعرَق جبين كل مهاجر عربي أو أفريقي أو أسيوي، في معنى فوز هذا الشاب الذي قد يكون متأثراً بالنهوض الذي إعتمده في المملكة العربية السعودية أمير شاب بالسِن المماثلة بدأ منذ توليه ولاية العهد ورئاسة مجلس الوزراء وضْع حالات غير مألوفة من الإثراء تحت المجهر وإرفاق هذه الخطوات بنهوض وإستنهاض غير مسبوقيْن.. بدل أن يتأمل القطاع الملياري في هذا التفاعل العفوي مع هذه المفاجأة التي كان بضعة ملايين في كبرى دول العالم يتطلعون ببعض الأمل المنشود إلى حدوثها، فإن الأجدى هو الوقوف مع هذه “المفاجأة الممدانية” السمراء التي تشكِّل رسالة تنبيه إلى “المفاجأة الترمبية” التي حدثت وأن بعض رؤى هذه مع بعض رؤى تلك تصطلح أمور كثيرة وترسم معالم الولايات المتحدة كدولة عظمى تمارس دورها العادل المنشود.. والمغيَّب ما دامت إدارتها لا تقرر، وبالذات إدارة الرئيس ترمب، مساعدة الدول وليس المبالغة في إحتوائها، وتقول “نعم ﻟ دولة فلسطينية” وليس المبالغة في الحرص على إسرائيل التي أفقد الأوغندي زهران ممداني زهوة إعتبار نيويورك شقيقة تل أبيب عبْر البحار.

فؤاد مطر

فؤاد مطر .

.