التهميش المرفوض.. والتشويش المبغوض

بدا الإستنكار اللبناني من جانب المرجعيات الدينية والسياسية لواقعة تفجير كنيسة مارالياس للروم الأرثوذكس في دمشق (مساء يوم الأحد 22 حزيران 2025) من جانب شخص مغضوب عليه دنيا وآخرة من رب العالمين، أن الإلتقاء على موقف موحد إزاء القضايا اللبنانية الشائكة وبنوع خاص ما يتعلق ﺑ “التهميش السُني والتشويش الشيعي” من الدلائل على أن الأطياف اللبنانية يمكن أن تتلاقى على وقفة تؤسس مع الوقت لموقف، بدل أن يكون موقف كل من الطيفيْن السُني والشيعي على هذه الحدة أحياناً التي هي عليه.

لقد كان لافتاً أن الإستنكار للواقعة الكنسية لم يتأخر وجاء بداية بالرئيس جوزف عون الذي أبرق إلى الرئيس أحمد الشرع مستنكراً مع أشد عبارات التنديد “العمل الإرهابي الجبان” مؤكداً “تضامن الجمهورية اللبنانية مع الجمهورية السورية”.

كما أن تعزية مفتي الجمهورية الشيخ عبداللطيف دريان جاءت (ومِن قبْل زيارته غير المسبوقة إلى دمشق وتكريم الرئيس الشرع وفادته) في صيغة تصريح تلتقي روحية كلماته مع الذي تضمنتْه برقية الرئيس عون إلى الرئيس الشرع، وبالذات قول المفتي “إن ما حصل في دمشق يحمل بصمات إرهابية عدوانية وما شهدتْه ما هو إلاَّ دليل لضرْب الوحدة الوطنية السورية ومحاولة إشعال صراعات طائفية بين السوريين مسلمين ومسيحيين” خاتماً التصريح ﺑ: “تقديم خالص التعازي إلى الرئيس الشرع والبطريرك يازجي متمنياً للجرحى الشفاء العاجل…”، فيما تصريح البطريرك الراعي ركَّز على “أن إستهداف المسيحيين في الشرق هو إنقلاب على حقيقة هذا الشرق التاريخية” داعياً إلى تغليب لغة المحبة والحوار وإحترام الآخر لإحلال السلام العادل والشامل ليس في سوريا وحسْب وإنما في جميع دول المنطقة…”. وأما الرئيس نبيه بري فإقتصر موقفه من خلال تعزية بطريرك الروم الأرثوذكس يوحنا العاشر يازجي وإدانته الشديدة لهذه الجريمة وتضامنه مع الضحايا والمصابين ومع الشعب السوري الشقيق”. وحذا الرئيس السابق ميشال عون حذو الرئيس بري من حيث حصْر التعزية بالبطريرك يازجي كما حذا حذوهما كل من رئيس الحكومة الأسبق تمام سلام وشيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز ونائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب (عزَّيا برقياً البطريرك يازجي).

أما تعزية المرجعيتيْن السياسيتيْن في الطائفة المارونية فإقتصرت تعزية كل منهما تصريحياً، حيث أن “رئيس القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع الذي تمنى على “الحُكم الجديد في سوريا ملاحقة فلول داعش كما أن تبادر دول المنطقة والعالم بأسره إلى ملاحقة هذا السرطان ومكافحته حتى القضاء عليه نهائياً…”، وأما رئيس “حزب الكتائب” سامي الجميل فإنه إعتبر في تصريح “أن إستهداف الأقليات ولا سيما المسيحيين عبْر أدوات الإرهاب ليس إلاَّ محاولة لإيصال رسائل سياسية على حساب أرواح الأبرياء، والمطلوب من السُلطة الجديدة في سوريا أن تتحمل مسؤولياتها الكاملة وتقرن الأقوال بالأفعال عبْر محاسبة المنفِّذين وملاحقة المحرِّضين والتصدي بصرامة لخطاب الكراهية الذي يمهد للعنف المنظَّم فالإدانة وحدها لم تعد كافية…”.

وأما الأكثر لفتاً للإنتباه فهو تعليق لرئيسيْ الحكومة الأسبقيْن سعد الحريري الذي إعتبر الواقعة “جريمة تستهدف سوريا الجديدة بأمنها وإستقرارها” مضيفاً “حمى الله سوريا شعباً وقيادة لتكمل مسيرة التعافي نحو مستقبل مشرق”، وفؤاد السنيورة “الذي دعا إلى التمسك بالوحدة الوطنية في مواجهة الإرهاب والضرب بيد من حديد على التنظيمات الإرهابية المجرمة لأنها تدَّعي الإسلام وهي مِن الإسلام براء…”.

من خلال ما أوردناه من مواقف يتبين أن هنالك جامعاً مشتركاً للمرجعيات والشخصيات السياسية اللبنانية الفاعلة في المجتمع اللبناني على إتخاذ موقف متجانس من الواقعة الكنسية التي حدثت في دمشق.

وهذا الجامع المشترك يأتي في حقبة غير مستقرة يعيشها لبنان.  كما أن هذه اللهفة الأخوية بنِسب متفاوتة تجاه الحكم الجديد في سوريا الشقيقة التي تعمل على بناء عهد جديد في سوريا مرحب به أميركياً وأوروبياً وإرفاق الترحيب المتدرج بالعزم على تقديم المساعدات، تجعل المواطن اللبناني الذي ضاق ذرعاً بالمشاحنات والمساجلات يتساءل: أليس من حق الوطن على الأطياف السياسية والحزبية والمرجعيات الروحية أن تكون حريصة على التخلص من دوامة المواقف التي تنتهي كما لو  أن الغرض منها هو تهميش الطائفة السُنية على نحو ما أورده المفتي العائد من فريضة روحية أداها مع الجمع المليوني بين مكة والمدينة المنورة والذي سجَّل خطوة نوعية شاء عدم تأخيرها وهي زيارة دمشق دعماً للنظام السوري الجديد. والإنطباع لدى كل اللبنانيين مسلمين ومسيحيين عن الشيخ عبداللطيف دريان أنه عندما يدلي بتصريح أو يقول ما من مصلحة الوطن قوله أمام السفير العربي أو الأجنبي أو ذاك السياسي الماروني الموفد من جانب الحزب المنتمي إليه وذاك رئيس حزب آخر من الطائفة نفسها وبينهما ثالث الأعمدة الحزبية المارونية، فإن كلامه، الذي يقوله أيضاً لزائريه من أقطاب إخوانه الشيعة، يتجاوز لفت النظر ويستهدف النصح إستلهاماً للقول الرسولي “الدين النصيحة”. ومِن هنا فإن قوله التحذيري بعدم السماح بتهميش الطائفة التي هو في الظروف الراهنة مرجعها ترشيداً سياسياً إلى جانب واجبه المذهبي، من الضروري أن يتخذ سامعوه النصح بدرجة من التبصر حرصاً على توازن الصيغة المثالية للمجتمع اللبناني منذ أن وضع اللبنة الأساسية له الثنائي الشيخ بشارة الخوري والرئيس رياض الصلح والتي صمدت ماضياً أمام عواصف المراهنين على تعديل جوهرها ثم زادها تمتيناً إتفاق الطائف، ويُخشى عليها كثير الخشية من رهانات مستجدة لم تكتسب بعد عوامل التأثير، لكنها تعتمد التشويش على الطائفة الشيعية التي لم تغادر بعد الأحزان الوجدانية على إستشهاد سيدها ورفاق له غدرت عمليات إختراق أمنية ومعلوماتية بهم. رحمة الله على الجميع وعلى كل من إنتهى شهيداً في سبيل فلسطين الأسيرة حتى إزالة الباطل الصهيوني وإحقاق الحق هدياً بقول الرسول “الساكت عن الحق شيطان أخرس” وحكمة الإمام علي بن أبي طالب “دولة الباطل ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة”.

طي صفحة التهميش المرفوض تكون متأنية لدواعي التنبه من التهميش على نحو وضوح التعبير في قول المفتي دريان “لا دولة في لبنان بلا السُنة وأي تهميش أو إستبعاد للمسلمين السُنة مرفوض ونحن له بالمرصاد…”.

كما أن طي صفحة التشويش مأمول إتخاذه من جانب الأطياف الحزبية والسياسية التي لا تأخذ في الإعتبار الحال التي هي عليها الطائفة التي تريد ضمناً في ضوء المحنة الكثيرة الصعوبة التي واجهتْها والتي ترى في التشويش المتعدد المفردات غير الطيبة في حقها أنه أمر مرفوض لأنه مبغوض.

وفي العودة إلى وقفة التعاطف مع واقعة الكنيسة الدمشقية وكيف أن التعاطف جاء من الجميع بدءاً من قمة السُلطة مؤشر إلى أن الوطن لبنان الذي يعيش في أجواء من عدم الإستقرار نتيجة التهميش من جهة والتشويش من جهة أُخرى في أشد الحاجة إلى وقفة مماثلة.. أو فلنقل أن يتعاطف الذين يمارسون الأدوار التي تزيد الحالات تعقيداً، بمثل تعاطُفهم مع واقعة الكنيسة. وبهذا يصبح الجميع كلهم للوطن وللعلى والعَلم. والله الهادي.

الخميس 17/7/2025

: