عادت بي الذاكرة عندما كانت العائلة الفاضلة (عائلة المرجع التنويري السيد محمد حسين فضل الله) تحيي مع حافظي نُصحه وفتاواه الذكرى السنوية الخامسة عشر لرحيله في الرابع من تموز 2010، وتتزامن مع هذه الذكرى رحيل رفيقة عمره نجاة نورالدين وفي يوم عاشورائي، إلى لقائيْن معه كان طيِّب الله ثراه كريماً في الإضاءة على موضوعات كنتُ في صدد إستكمال تحبيرها مادة في كتاب جديد لي بعنوان “ألْف فتوى وفتوى. مسلمون في مهب فوضى الفتاوى: أزهرية. سُنية. وهابية. شيعية. خمينية”.
ولقد أضفى السيد العزيز على اللقائيْن حالة من التنوير، في زمن كثرت فيه الظواهر الإسلاموية مقرونة بالعنف ما أوجب على المرجعيات المستنيرة إتخاذ وقفات.. وأحياناً مواقف حاسمة.
في إجاباته عن أسئلة وتساؤلات ذات بُعديْن إجتماعي وديني كان السيد متألقاً وكنتُ أجد نفسي أمام ظاهرة ديلمانية (جمعاً للفظة دينية ولفظة علمانية) طالما لاحظتُها في قامات أزهرية مستنيرة قصدْتُ مجالسهم بحُكم عملي الصحافي متابعاً للتطورات والأحداث والمؤتمرات في العالم العربي، وبالذات في المحروسة مصر. ولقد حرصْتُ على لقاء القامات الأزهرية على هامش التغطية للأحداث والمؤتمرات ثم للحربين الأولى 5 حزيران 1967 التي هزَّت زعامة جمال عبدالناصر والثانية رمضان 1973 التي أثمرت نصراً نوعياً تم توظيفه عشوائياً من جانب الرئيس أنور السادات وجاء التوظيف في صيغة زيارة قام بها ومن دون إستفتاء شعب مصر عليها إلى القدس وإلقاء الخطاب الشهير في البرلمان الإسرائيلي.. ثم لاحقاً إبرام “صفقة كامب ديفيد”.
وفي لقاءات إستفسارية مع المتيسر من موجبات المناقشة بالشيوخ الأزهريين كنتُ أخرج بإنطباع حول أن التنوير وبمعادلة دينية – علمانية كفيل بمواجهة القيادات التي تبالغ في المنحى المذهبي. وهذا ما كان جلياً في ما إستوقفني خلال لقاءاتي بالسيد محمد حسين فضل الله، فهو رداً على إستفسارات من جانبي تتصل بجزئية من الطقوس العاشورائية يرى “إن على الشباب المسلم وغير المسلم أن يرفض كل أنواع الخرافة والغلو والأساليب غير الإسلامية وغير الإنسانية في التعبير عبْر إستنكار المأساة لأننا نرتقي بالحسين في خط العِلْم والموضوعية ونسير في خط الجهل كلما إقتربْنا من الخرافة والغلو…”. كما يرى على سبيل المثال في ظاهرة أداء فريضة الحج التي كان أداها “إن المسلمين مع تنوعهم في قومياتهم وإتجاهاتهم السياسية في إختلاف مذاهبهم يلتقون ولا يسيء أحد إلى الآخر ولا يرجم أحد الآخر ما يؤكد أن هناك فرصة مستقبلية لأن نستفيد من هذا الجو الإسلامي الروحي الذي يؤكد أن التنوع المذهبي والثقافي والسياسي والقومي لا يمكن أن يفرِّق المسلمين..”. ويضيف: “إننا نستطيع أن نجعل من الحج فرصة للتخطيط لوحدة إسلامية ثقافية تتقارب فيها المذاهب ويلتقي فيها المسلمون على السياسات العالمية التي تحفظ لهم مصالحهم وأمنهم وتُحقق طموحاتهم كأمة تستطيع المشاركة في تقرير مصير العالم…”.
ويذهب السيد محمد حسين فضل الله إلى عُمق الأحوال الإجتماعية من ظواهر وعادات وتقاليد وظروف تعيشها المرأة المتزوجة وأنواع الزواج عموماً إلى ظواهر تشاء ظروف السنين العشر الماضية التي مر بها لبنان وثمة خشية من عًشْر مثيلات إذا كان لن ينال اللبنانيون إنصافاً لواقعهم، الذي بات مجتمع الإلفة كما كان عليه في زمن مضى عدة مجتمعات مشحونة بالحذر والخوف من التداعيات الناشئة عن فقدان الصيغة الموضوعية لعلاج ظاهرة السلاح الذي في حوزة طائفة دون سائر الطوائف التي تشكِّل المجتمع اللبناني.
وبالنسبة إلى الظواهر الإجتماعية المقلقة يواجه بالفتاوى الشرعية “أولئك الذين يُلقون القمامة في الشوارع مع وجود أماكن خاصة لإلقائها، وأولئك الذين يكتبون الشعارات أو يُلصقون صور الشهداء أو يعلِّقون الإعلانات على جدران البيوت…”. ماذا كان سيقول الغائب لو أنه حاضر بيننا في السنوات التي تلت رحيله وكيف باتت حال لبنان عموماً وطناً للفوضى زادت الظواهر فيه والتي أفتى حولها وبالذات ما يتعلق بصناديق القمامة ومولدات الكهرباء وفوضى السيارات والناقلات وتعليق الصور واللافتات في كل مكان. إنني أتصور أنه كان سيطور مفهوم الفتوى إلى درجة التحريم، وكان ربما سينزل إلى الشارع متصدراً تظاهرة التظاهرات لجعل العاصمة بيروت تستعيد رونقها.
تلك مجرد خواطر عن مرجع ديني أعتز كثير الإعتزاز بما تركتْه رؤاه في نفسي وفي إنطباعات عن حاجة الوطن إلى المرجعية الدينية التنويرية التي تقول كلمة الحق وتضع الوطن في ضميرها وتفكيرها وفي ما تقوله من نُصح أو فتاوى. وأختم ببضع كلمات قرآنية قالها لي وأنا أغادر مجلسه مع النصح بأن أكرر التذكير بها في كل ما أكتبه من مقالات، وهي: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾.
وكأنما السيد البعيد النظر يرى مسبقاً هذه الزلزلة التي من علاماتها هذا الذي يكابده عاشورائيو الربع الأول من القرن الواحد والعشرين.. شعب غزة.
الخميس 24/7/2025
:
