بعد اللقاء الذي تم بعد ظهر يوم الأحد الماضي (7. 9. 2025) في رحاب القصر الرئاسي اللبناني بين سيده الجنرال جوزف عون وقائد المنطقة الوسطى في الجيش الأميركي الأميرال براد كوبر بحضور السفيرة الأميركية ليزا جونسون، ساد لسبب جوهري نوع من التفاؤل بحدوث بعض الإنفراج في الأحوال اللبنانية التي تتزايد تعقيداً بفعل مواقف البعض من قادة الأحزاب بتنوع المكانة في الحزب الذين ينتمون إليه وتنوع التسميات بين حزب وحركة وتيار.. هذا عدا أطياف تغرد في فضاء أولئك القادة.
أما دواعي ذلك التفاؤل وذاك السبب الجوهري فمن منطلق أن الرئيس عون أحاط ميدانياً عندما زار أكثر من مرة وهو قائد للجيش الولايات المتحدة ووقف على أنماط رؤى من خلال محادثات ومناقشات أجراها في رحاب “البنتاغون” الذي كان ما زال “وزارة دفاع” وأبدلها الرئيس دونالد ترمب يوم الجمعة 5 أيلول 2025 بشحطة قلم ذيَّل به توقيعه على قراره (ومِن قبْل عرْض الأمر على الكونغرس للمناقشة) بحيث باتت وزارة الحرب.. حرب على مَن؟ هل على إيران مجدداً؟ هل على تايوان لإحراج الزعامة الصينية؟ هذا في عِلْم الغيب إلى أن تخوض الإدارة الأميركية الحالية مغامرة قد تكون ثمارها كثيرة المرارة على نحو ما فعل سابقون في فيتنام وفي العراق.
وبالعودة إلى التفاؤل الناشئ عن لقاء الجنرال الرئيس جوزف عون بالأمير براد كوبر نتذكر أن الجنرال الرئيس اللبناني دون سائر الجنرالات الذين أوجبت المعادلات نقلْهم وعلى جناح التراضي من الموقع القيادي العسكري إلى موقع رئاسة الجمهورية خبِر العقلية العسكرية الأميركية منذ الزيارة الأولى له كقائد للجيش اللبناني ووقف بعد تلك الزيارة (22 حزيران 2018) وكانت لم تمر على تبوئه منصب قيادة الجيش (2017) بضعة أسابيع، على ما صقل أسلوب التخاطب مع قيادات شملت إلى جانب “البنتاغون” بعض مؤسسات الحُكم وأبرزها الكونغرس الذي بموجب ما سنَّه الدستور الأميركي له من حقوق عند المناقشة والتصويت، يتطلب من زائر الولايات المتحدة مسؤولاً عسكرياً أو صاحب مقام في تركيبة الحُكم أن يعتمد التنبه والفطنة وتدوير الحالات التي تستوجب الحصول على المطالب، أسلحة كانت أو ضمانات أمنية، عندما تصل التحديات والصراعات والتطلعات الإستشارية إلى مشارف الخشية على الكيان. وفي زيارتين أعقبتا الزيارة الأولى للجنرال لاحت في أفق المشهد الرئاسي الآتي ما بدا واضحاً أن الإدارة الأميركية حسمت أمر المشهد حسماً للفراغ الذي نشأ عن إنتهاء ولاية جنرال ترأس لكنه على مدى ترؤسه كان حليفاً للطيف الذي يرفع شعارات “الموت لأميركا” ومن دون أن يأخذ الجنرال الرئيس (ميشال عون) في الإعتبار مفاعيل تنشأ عن مثْل تحالفه هذا، بمعنى أن الإدارة الأميركية بدأت التخطيط لما بعد إنصراف “الجنرال” المتحفظة على عهده وتحالفه الذي يربك سياستها في المنطقة بدءاً من لبنان وصولاً إلى إيران مروراً بسوريا والعراق.
في ضوء الإستخلاص المتأني من جانب الإدارة الأميركية السياسية – العسكرية كان التركيز على دعم الجيش اللبناني دعامة تلي دعامة تتبعها دعامات في ضوء التطورات التي ترتسم معالمها في المشهد الإقليمي.
هنا من الجائز الإفتراض أن مؤسستيْ صُنْع القرار في الولايات المتحدة (الكونغرس والبنتاغون) حسمتا الأمر بمعنى أن الجنرال جوزف عون وفي ضوء أسلوب التحادث معه خلال زيارته الثلاث وإثمارها مساعدة لوجستية وبعض الإهتمام بتطوير سلاح الطيران، من مصلحة الولايات المتحدة تزكية ترؤسه الجمهورية اللبنانية.
مثْل هذا الإهتمام لم يرتبط بالسابقين من قادة الجيش الذين أوجبت الظروف الخارجة عن إرادة البيت الأبيض ومؤسستيْ حسْم القرار (الكونغرس والبنتاغون) تزكية ترئيسهم، ومن المؤشرات إلى ذلك أن الجنرالات الذين هيأت لهم الحالة الإيرانية – السورية معطوفة على إصطفاف “حزب الله” مع هذه الحالة الترؤس وبما لا يرضي الإدارة الأميركية التي لم تُوجه إليهم الدعوة من “البنتاغون” لزيارة الولايات المتحدة، وبذلك كانت سنوات ترئيس كل منهم (الجنرال إميل لحود. الجنرال ميشال سليمان. الجنرال ميشال عون) الجمهورية اللبنانية موضع التحفظ الأميركي فلا دعوة توجّه إلى كل منهم على نحو ما حدث وبشكل لافت مع الجنرال الرئيس جوزف عون. وأما رائد جنرالات الترؤس (فؤاد شهاب) فإن الحذر من جانب الإدارة الأميركية وبالمقابل من جانبه كانت جلية. ويشار في هذا الحذر إلى واقعة تعود إلى ثلاث وستين سنة وهي أنه عندما قام ليندون جونسون (23 آب/ أغسطس 1962) وكان يشغل منصب نائب رئيس الولايات المتحدة المتحدة (بات الرئيس لاحقاً إثر إغتيال الرئيس جون كينيدي) زار لبنان وشملت الزيارة الإجتماع بأول جنرالات ترؤس الجمهورية اللبنانية (فؤاد شهاب) وعند إنتهاء الإجتماع رافق الرئيس اللبناني زائره حتى باب المكتب وخطر في بال موظفي البروتوكول أن الرئيس قد يكون نسي مرافقة زائره إلى المدخل الرئيسي للقصر الجمهوري على نحو ما هو مألوف في الزيارات ذات الطابع الأكثر أهمية. لكن الجنرال الرئيس قال لهم: “لو كان الضيف هو رئيس الولايات المتحدة لكنتُ رافقتُه إلى خارج المكتب”. زمنذاك كان الجنرال الرئيس كثير التأثر بتعامل صديقه الرئيس جمال عبدالناصر في أصول التزاور.
خلاصة القول توضيحاً لبداية هذه المقالة أن الأميرال الأميركي براد كوبر خرج من لقائه بالجنرال الرئيس جوزف عون وهو أكثر إقتناعاً برؤى الرئيس اللبناني الذي طالما إحتار في أمر تخريجات توم براك وبتنظيرات المبعوثة الأولى مورغان أورتاغوس مِن قبْل ومِن بعد. وكل التخريجات والتنظيرات لم تلمس عُمق الأزمة التي يعيشها لبنان على نحو لمْس الأميرال براد كوبر جوهر الحال اللبنانية ماضياً وراهناً خلال التحادث مع الجنرال الرئيس جوزف عون زائر الولايات المتحدة ثلاث مرات بأمل إنعاش الجيش الذي يقوده. ولقد حدَث هذا الإنعاش بالتدرج ومرشَّح نحو الأهم لجهة الطلب من الإدارة الأميركية التدخل ضد العدوان الإسرائيلي، ذلك أن زيارة الأميرال وتمنيات الجنرال الرئيس أثمرت خطوة متقدمة لجهة حُسْن التفهم وليس إستدراج لبنان إلى ما يسبب موضوع تسليم السلاح حالة أشد تعقيداً من الإحتفاظ به قبْل أن ترتدع إسرائيل وتأخذ مسيرة الحق ضد الباطل مجراها بإعلان قيام “الدولة الفلسطينية”.
… ولقد حدَث الإبلاغ والتبليغ على أمل تنفيذ مفاعيل حُسْن التفهم.
الخميس 11/9/2025
:
