الإنسانية ليست إستنسابية

نُشرت في صحيفة “الشرق الأوسط”
بتاريخ الثلاثاء 29/4/2025

لا تهدأ التظاهرات منذ بضعة أشهر في تل أبيب ويرفع المتظاهرون والمتظاهرات صوراً بالحجم الكبير لمن بقي من أبنائهم في الأسر الحمساوي، وذلك رغم المساعي المصرية – القطرية – الأميركية من أجْل إنجاح معادلة تقوم على فك الأسر من جانب “حماس” مقابل وقْف العدوان اليومي من جانب الجيش الإسرائيلي براً وجواً على مناطق في غزة توضح الصور المكبرة لهذه المناطق أنها أصبحت ركاماً في معظمها وتحت الركام عشرات الجثث من مختلف الأعمار ذكوراً وأناثاً وكبار السن.. هذا فضلاً عن مواصلة سلاح التجويع والتعطيش نتيجة عدم السماح لمئات الشاحنات المصطفة على الحدود مع مصر لا يُسمح لها بالعبور لتوزيع صناديق الغذاء والدواء والغاز والألبسة التي تأتي من بعض الدول العربية الشقيقة ويبذل المسؤولون فيها كثير السعي من أجْل أن تجيز إسرائيل نتنياهو دخولها لكن تصر على جُرمها السيء هذا رغم تكاثر التصريحات من جانب منظمات أممية سياسية وصحية حول الأخطار الصحية والوبائية والغذائية التي نشأت وتتزايد خطورة على الوضع الصحي إذ بات هنالك تعطيل للمستشفيات ونضوب للدواء ومستلزمات العلاج مع تزايد العدوان الإسرائيلي الذي بدأ يشمل حتى قوارب صيادي الأسماك لإن في ما يصطادونه من الأسماك يطعم أفواها جائعة.

وإلى جانب تظاهرات ذوي الباقين من الإسرائيليين الأسرى في بعض أنفاق “حماس” والتي زادت جموعاً في بعض المدن الإسرائيلية، هنالك التصريحات التي يدلي بها الطيف الإسرائيلي المعارض بشتى توجهاته ومبادئه. وكلاهما أي آباء وأمهات وأشقاء الأسرى، وفي المدار نفسه تصريحات السياسيين والحزبيين ضد نتنياهو، يركزون على الجانب الإنساني والحالة التي يعيشها الأسرى وفي الوقت نفسه يطالبون بإلحاح قبول صيغة الحل الذي يحقق إستعادة الأسرى.

وإلى الأهالي أولئك وكذلك بعض رؤساء أحزاب المعارضة، هنالك كتابات في الصحف الإسرائيلية تنحصر كما مواقف المحتجين والمتظاهرين والسياسيين في موضوع الأسرى وتتعالى أصواتهم خلال التظاهرات أو في التصريحات والكتابات في “لا إنسانية” بقاء الأسرى في الأنفاق الحمساوية، ومن دون أن يستوقفنا إعتراض أو تحفُّظ على العدوان المتواصل نهارات وبعض الليل على الناس والمستشفيات والأطفال والكنائس والجوامع والمدارس ومراكز الغوث الأممي والصحافيين وتدمير البيوت والمخيمات على مَن فيها.

ثم إن الذي تُواصل جحافل حكومة نتنياهو إجرامها في حق فلسطينيي غزة أضيف إلى هذا الإجرام تجريف أرض وشوارع وبساتين الفلسطينيين في الضفة الغربية. ولقد تزايدت هذه الجرائم في حق الإنسانية حتى خلال شهر رمضان وهي على موعد للتصعيد في مناسبة عيد الأضحى. وكل ذلك دون الإصغاء إلى مناشدات دولية وتظاهرات في بعض المدن الأميركية والأوروبية على أمل إستئنافها في جامعات أميركية بعد أن يزول مفعول تأديب الإدارة الأميركية للجامعيين الذين عندما تظاهروا لم يكونوا ضد اليهود وإنما بداعي التعبير عن مشاعر إنسانية ضد الظلم البنياميني الذي تجاوز بكثير ما توصي به الأديان السماوية بضرورة تقديم الحس الإنساني على ما عداه.

خلاصة القول إن نقطة الضعف في موقف المتظاهرين نصرة للأبناء الأسرى وكذلك التصريحات من جانب سياسيين وقادة أحزاب ومقالات في الصحف الإسرائيلية ومقالات في الصحف الإسرائيلية، هي خلو الإحتجاج من أي وقفة إنسانية تتسم عبارات فيها بالشجن والعتب كذلك على الحكومة الإسرائيلية لأنها لا تتجاوب مع صفقة الإفراج عن الأسرى مقابل وقف العدوان على شعب فلسطين في غزة ورفْع المنع عن وصول ما يبعث به الأشقاء العرب من مواد غذائية وطبية وخلاف ذلك.

وما نقصده بنقطة الضعف هو أن المعترضين والمحتجين إياهم لا يهمهم ما تقترفه قوات إسرائيلية من جرائم. بل من الجائز القول إن هؤلاء ضمناً بتجاهلهم إقتراف تلك الجرائم هم مع رئيس حكومتهم نتنياهو بما يرمي إليه وأن الذي يعنيهم فقط عودة الأسرى وليواصل جيشهم التدمير ما يروم فعْله. وهم لو سجلوا وقفة ضد الفعل البنياميني التدميري وفي الوقت نفسه واصلوا التظاهر والإعتراض، لكانوا بذلك أثبتوا أن الإنسانية ليست مسألة إستنسابية ومن مصلحتهم للبقاء مسالمين وإنسانيين في وطن إحتل أسلافهم الأرض وأنزحوا الشعب وما زالوا على كراهيتهم التي بلغت مداها في إقتحامات همجية للحرم الثالث مزودين برعاية سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل الذي من مصلحة حكومته الأخذ في الإعتبار أن الحرم الثالث عائد وإن إتسع هامش التأثير الصهيوني، مصاناً بدولة فلسطينية عاصمتها القدس الشريف. وبعد ذلك سيكون عيد الفصح الآتي في أزهى الطقوس خلاف ما إفتعله صهاينة وبذلك بدا العيد حزيناً وشريكاً في الحزن للذين تمعن إسرائيل نتنياهو  في إيذائهم في كل قطاع غزة وفي بعض مناطق الضفة الغربية. وأما نتنياهو فإن قول الشاعر “ما طار طير وإرتفع.. إلا كما طار وقع” هو مصيره كما آخرين سبقوه.

فؤاد مطر .

.