نُُشرت في صحيفة “الشرق الأوسط”
بتاريخ الجمعة 27/ 6/ 2025
هذا الجاني الذي إقتحم كنيسة مار الياس في دمشق مساء الأحد (22. 6. 2025) أثناء تأدية المصلين للصلاة مطْلقاً النار عشوائياً مفجِّراً نفسه بواسطة سترة ناسفة ما أسفر عن مقتل 22 مؤمناً مصلِّياً وإصابة العشرات بجراح بينهم أطفال وإشاعة الذعر في الكنيسة.. هذا الجاني لو كان بدل الشحن التكفيري له وجد من يرشده إلى سواء السبيل ويشجعه على أن يعرف أي سوريا كانت نموذجاً للتعايش الطوائفي، لما كان إرتكب هذا الإثم الذي مآله النار في الآخرة.
وهذه الواقعة المؤلمة التي ذهب ضحيتها رجال ونساء مسنون، تجعلنا نستحضر من الذاكرة ومن أوراق ووثائق ومحاضر جلسات ومؤلفات كيف أن حقبة مضيئة من تاريخ سوريا الأربعينات والخمسينات كانت الطائفة المسيحية شريكة الطائفة السُنية والطائفة الدرزية فالطائفة العلوية في الحُكْم. وتسوقفنا بالذات حالة، بل ظاهرة فارس الخوري المسيحي الذي ولد في بلدة الكفير اللبنانية المتكئة على سفح جبل حرمون المنتقل مع العائلة بسبب ظروف الفِتن وجولات الإحتراب إلى سوريا التي تشاء الأقدار وكان بات جامعياً وحقوقياً وسياسياً أن إنخرط في العمل السياسي زمن إزدهار التعدد الحزبي في سوريا وبالذات “الكتلة الوطنية” و “الحزب الشيوعي” وسجل من المواقف التي تتسم بالتوازن ما جعل المعادلات السياسية في رئاسات متنوعة المشارب تختاره لكي يترأس الحكومة. بل لعله أكثر السياسيين الذي ترأس حكومات في عهد الرئيس شكري القوتلي وعهد الرئيس هاشم الأتاسي. وهذا الترؤس للحكومة سبقه إختياره وزيراً للمعارف ثم للمالية. وأما المحطة اللافتة فتمثلت في أن أعضاء البرلمان السوري إنتخبوه في ثلاثة مجالس نيابية رئيساً لهم.
لكن تبقى محطته الأممية ذات أهمية نوعية، فهو في مناسبة لمناقشة صيغة تقسيم فلسطين مع بعض التعديلات خلال إنعقاد جلسة للهيئة العامة للأمم المتحدة (23. 9. 1947) قال رداً على المندوب الأميركي المؤيد للتقسيم “اليهود لا علاقة لهم بفلسطين منذ عشرين قرناً، أما صلتهم العاطفية بها فيشاركهم فيها المسلمون والنصارى أيضاً، عدا ذلك فاليهود لم يشكِّلوا دولتهم قديماً إلاّ في جزء من فلسطين، والحضارة التي إدعوا أنها حضارتهم أخذوها عن جيرانهم الكنعانيين والفلسطينيين والمصريين والبابليين…”. ثم يضيف “إن يهود أميركا وخاصة نيويورك يرومون من وراء إحتلال فلسطين إلى غزو العالم الشرقي وبسْط سيادتهم عليه لإستعماره وهذه الدولة المنتظّرة (أي إسرائيل) إذا وُجدت ستكون دائماً معتمدة على يهود الولايات المتحدة…”.
وكان فارس الخوري (المسيحي الذي ترأَّس حكومات سورية وشغل مناصب وزارية عروبياً ووطنياً ولا طائفياً بإمتياز. لعل البعض في لبنان يتأملون في العَبِر التي ما أكثرها وأقل الإعتبار تجاهها) تناول في كلمات ألقاها في إحدى مداولات أممية بين باريس ونيويورك موضوع حائط المبكى، وتستوقفنا في هذا الصدد العبارة التالية له “بينما كانت إعتدءات اليهود وخرْقهم للهدنة ومهاجمتهم منطقة النقب تمهيداً للإستيلاء عليها وتشريد نصف مليون فلسطيني تستوجب النظر في هذه الأمور فإن ممثل اليهود أخذ يتكلم عن حائط المبكى؟ هل إحتل اليهود هذا الحائط وهل يحتله العرب الآن؟ إن هنالك أحجاراً قائمة وهي لا تزال هناك منذ العصور القديمة ولا يمسها أحد.. فماذا يريدون؟ إنها في مدينة القدس القديمة ولا تزال في مكانها هناك…”.
وتناول فارس الخوري في الموضوع نفسه دعوى اليهود ضد الجيوش المصرية التي تجتاز حدود فلسطين واصفة ذلك بأنه إعتداء فقال “إن الجيوش المصرية تدخل فلسطين من أراضي مصر المتاخمة لأسباب تبرر دخولها. أما الجيوش اليهودية فمن أين أتت؟ لقد عبرت جيوش اليهود البحار والمحيطات والجبال وتهافتت من كل بلاد العالم لتهاجم فلسطين ولتوطد أقدامها فيها، فهل يمكن إعتبار أولئك المعتدين الذين أتوا لغزو شعب مسالم في عقر دارهم أنهم يعملون بحق.. بينما يُعتبر القادمون إلى إخوانهم ليوطدوا الأمن ويعيدوا اللاجئين إلى أوطانهم كجماعة معتدين؟!”.
وما هو أكثر لفْتاً للإنتباه أنه بعد إنتهاء عضوية سوريا في مجلس الأمن الدولي (نهاية 1948) عاد فارس الخوري إلى دمشق ومن دون أن يخطر في باله أنه سيلقى هذا الإستقبال الرسمي – الشعبي حيث أن الجماهير زحفت صباح يوم الإثنين (10. 1. 1949) للمشاركة في إستقباله، والذي بلغ مستوى غير مسبوق حيث أن رئيس الجمهورية شكري القوتلي ورئيس الحكومة خالد العظم ونائبا رئيس مجلس النواب والوزراء والرؤساء السابقون ورموز أهل الفكر والثقافة والأدب شاركوا في الإستقبال. ويروي الإعلامي محمد الفرحاني الذي إستندْنا إلى كتاب ألَّفه عن فارس الخوري (إضافة إلى أوراق ذكريات جمعتْها الحفيدة الأديبة المتألقة كوليت خوري) أنه بعدما إنتهى “الإبن البار” من تحية مستقبليه سأل ولده عن طربوشه وكان قد أوصاه بأن يحضره معه إلى المطار في كتاب بعث به إليه ولكن الإبن نسي فما كان من العلاَّمة المسلم الشيخ بهجت البيطار إلاَّ أن رفع عمامته بكلتا يديه ووضعها على رأس فارس الخوري السوري المسيحي ووسط التهليل والتصفيق ركب إلى يسار الرئيس القوتلي في الطريق إلى القصر الجمهوري وبعد ذلك إلى منزله.
في أواخر الخمسينات أصيب هذا السياسي المسيحي الظاهرة في الحياة السياسية السورية – العربية – الأممية بتوعك إنتهى مضاعفات على أنواعها في الجسم وتوفي (يوم 2.1. 1962) عن 85 عاماً (من مواليد العام 1877) وتكريماً إستثنائياً خارج قواعد البروتوكول أُجريت له جنازة رئاسية حيث وُضع النعش على عربة مدفع وتقدَّم المشيعين رئيس الجمهورية ناظم القدسي والرئيس السلف شكري القوتلي.
لعل وعسى يعيد رموز جماعات التطرف النظر في مفاهيم وشحن مذهبي، والتأمل بعقل منفتح في الظاهرة النموذج للمبدئية الوطنية والعروبية الثابتة وللتعايش الإسلامي – المسيحي في الوطن الذي كانت عليه سوريا قبْل ثلاثة أرباع القرن ترأس الحكومة فيها مرات عدة المسيحي فارس الخوري فضلاً عن وقفات تتصل بالقضية الفلسطينية.
فؤاد مطر .
.
