موعد منصف بعد وعْد ظالم

نُشرت في صحيفة “الشرق الأوسط”
بتاريخ الإثنين 29 / 9/ 2025

مائة وثمانية أعوام بين الوعد غير الحق الظالم المتمثل في شخص اللورد آرثر بلفور الذي بعث برسالة بتاريخ 2 نوفمبر/ تشرين الثاني 1917 إلى زعيم الحركة الصهيونية زمنذاك اللورد آرثر روتشيلد وبموجبها تهدي بريطانيا العظمى إلى الشعب اليهودي فلسطين وطناً قومياً له…

.. وبين الإعلان الجريء والذي هو بمثابة موعد للشعب الفلسطيني مع دولتهم، كما أوجزه في بضعة أسطر رئيس الحكومة البريطانية كير ستارم يوم الأحد 21 سبتمبر/ أيلول 2025.

بموجب وعد بلفور الذي تضمنتْه الرسالة البلفورية في 86 كلمة أُنشئت دولة إسرائيل وكان التهجير الفلسطيني الأول وبموجب الموعد المتوقَّع تحديده أممياً لقيامة قيامة الشعب الفلسطيني دولة كسائر الدول ذات أرض وهوية وديانتين وراية خفاقة وعاصمة شرعية، جاء إعلان رئيس الحكومة البريطانية كير ستارم ومِن أمام مقر رئاسة الحكومة (10 داوننغ ستريت).

وطوال القرن وربع القرن اليهودي الذي بدأ ﺑ “وعد بلفور” كان السعي العربي- الإسلامي لإستعادة الحق الفلسطيني بدءاً بالجهاد تنبيهاً وتحذيراً من جانب الملك عبدالعزيز وصولاً إلى سعي وفْق رؤى موضوعية من جانب ولي عهد الحقبة السلمانية الأمير محمد بن سلمان إسترشاداً بما بذله القادة الراحلون من أجْل ألاّ ينضب زيت قنديل القضية فينطفىء لإسترجاع الحق. هذا حدث في أُولى القمم العربية (أنشاص 1964) وحدث في قمة الرباط ثم في قمة الخرطوم (سبتمبر 1967) وصولاً إلى قمة بيروت (آذار 2002) التي جمعت الشمل العربي حول صيغة تسوية للصراع العربي – الإسرائيلي بقيت مجرد تنظير إلى أن وضعها النهج المتعدد الطروحات متمثلاً بالمسعى السعودي – الفرنسي الذي شكّل صدمة إيجابية لدى حكومات أوروبية وأسيوية وأفريقية تجاوب قادتها مع ذلك المسعى الثنائي فكان الإعلان المتدرج عن الإعتراف ﺑ “دولة فلسطين” ضمن صيغة الدولتين.

بالعودة إلى الوعد البلفوري (2 نوفمبر 1917) من خلال رسالة من 86 كلمة والموعد المأمول لحسم خيار الدولة الفلسطينية أخذاً ببيان رئيس الحكومة البريطانية (21 سبتمبر 2025) ذي المئتين وسبع كلمات نلحظ في قراءة ما بين السطور أن الإعتراف البريطاني هو بمثابة تعويض عن خطوة ربما كان من واجب بريطانيا العظمى قبْل قرن وجودها ذات باع أقرب إلى السطوة على الشرق العربي – الخليجي أن تأخذ في الإعتبار فداحة إهداء فلسطين لتكون وطناً ليهود غير المرحَّب أوروبياً وسوفياتياً بوجودهم. أما وقد حدَث الإقتراف للخطأ الأقرب إلى الخطيئة فإنه بات من واجب الحكومات البريطانية المتتالية تصحيح الخطأ الذي ربما كان هذا التصحيح وارد الحدوث لكن الهيمنة الأميركية، وتأثير اللوبيات الصهيونية على القرار الأميركي جعلت التصحيح غير متيسر وزاده تعسيراً العدوان الثلاثي على مصر رداً على تأميم قناة السويس. وكان مأمولاً من بريطانيا التاتشرية بحُكم شجاعة رئيسة حكومتها مارغريت تاتشر ونُصح سعودي لها أن يتم تصحيح وزر”وعد بلفور” بإتخاذ موقف ينصف الشعب الذي تعاملت معه بريطانيا الأربعينات الممسكة بزمام إدارة فلسطين فلا تقدِّمه ذبيحة لليهود الذين عندما تمكنوا  ألحقوا الأذى بالبريطانيين. لكن تاتشر لم تفعل والذين ترأسوا بعدها لم يتخذوا المأمول تصحيحه، إلى أن لاحت بوادر لإحقاق الحق وإزهاق الباطل من خلال رئيس الحكومة الحالية كير ستارم الذي وجَّه رسالة إلى رئيس السُلطة الوطنية الفلسطينية (بإعتبار أنها المرجعية المتفق دولياً على شرعيتها) محمود عباس والتي صيغت بعبارات تضيء معالم الطريق وتطفىء الغضب الذي إختزن في نفوس ثلاثة أجيال فلسطينية جرَّاء الظلم الناتج عن “الوعد البلفوري” وجاء “الموعد الستارمري” في زمن يكابد الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وفي غزة وفي الشتات العربي والدولي ما لم يكابده شعب بالقسوة التي وصلت إلى مشارف الإبادة.

وفي قراءة هادئة للمئتين وسبع كلمات للبيان الذي ألقاه بنفسه وليس عبْر متحدث بإسم الحكومة وهذه لفتة لها دلالتها مقارنة مع الست وثمانين كلمة ﻟ “وعد بلفور” الذي كان مجرد رسالة ربما من باب الخجل من إقتراف تلك الخطوة.. إن القراءة الهادئة تحمل على الإفتراض بأن بريطانيا الزمن الآتي، ستكون كما فرنسا الزمن الراهن، على أهبة دور جديد في المنطقة العربية، دور مرحَّب به خليجياً وعراقياً وأردنياً ومصرياً وسودانياً وفلسطينياً.. دور بريطانيا الصديقة لا بريطانيا التي تهيمن وتستعمر وعند إضطرارها للمغادرة من أوطان إستعمرتْها لم تترك أي أسف عليها.

وأفضل دلالة على أهمية الموعد تصحيحاً للوعد هو بيان رئيس حكومة بريطانيا التي يتربع على عرشها الملك شارل الذي كان دائم الحرص كولي للعهد على أن يتفهم الأوروبيون مشاعر مسلمي ومسيحيي الشرق تجاه مقدساتهم في فلسطين. وفي هذا البيان – الوثيقة التاريخية العبارات الثلاث الأكثر مدعاة للتأمل فيها وهي:”يشرِّفني أن أضع على السجل أن المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وأيرلندا الشمالية تعترف إبتداءاً من اليوم 21 سبتمبر 2025 رسمياً بدولة فلسطين كدولة ذات سيادة ومستقلة” و”إن المملكة المتحدة تتطلع إلى عهد جديد من الصداقة والتعاون بين الشعبين البريطاني والفلسطيني” و “لقد دعمت بريطانيا عام 1917 مبدأ إقامة وطن قومي للشعب اليهودي (يقصد وعد بلفور) مع التأكيد على أنه لا يجوز أن يتم أي أمر يضر بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية القائمة”. وكأنما ستارمر بالعبارة الأخيرة هذا يقر بأن بريطانيا وعدت لكنها لم تفِ.. إلى أن جاءت الحكومة الحالية التي تعاني من متاعب مجتمعية شعبوية نبَّه رئيسها كير ستارمر إلى تداعياتها في “يومه الفلسطيني” بعبارة “عندما يصعد السياسيون الشعبويون والمجرمون المدانون والمليارديرات الأجانب إلى المنصة لتشجيع العنف والإدلاء بتعليقات عنصرية فإن ذلك يلقي بظلال قاتمة على مجتمعنا…”.

اللهم زد وبارك إستعادة الوعي لدى الذين سكتوا دهراً على الظلم الذي شجع إسرائيل نتنياهو على إقتراف مستمر للعدوان بكل أنواعه.. ثم ها هم ينطقون حقاً وإحقاقاً.

فؤاد مطر .

.