من مهابة القمة إلى مهاوة السفح

تفوقت الدهشة لدى كثيرين من واقعة عملية السطو غير المسبوقة في الوقائع الفرنسية المستغربة على سرقة مِن متحف “اللوفر” جوهرة متاحف فرنسا ونكاد نقول متاحف العالم، على تلك الدهشة التي إرتسمت معالمها أمامنا ونحن نتابع المشهد الأكثر إهانة مرتبطة بالرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي. والدهشة “الساركوزية” متصلة بتلك التي إرتسمت معالمها في شخص رئيس المصرَف المركزي للبنان رياض سلامة، الذي نال مجداً إعلامياً خلال سنوات ترؤسه المصرَّف فضلاً عن سمعة محترمة في أوساط أهل القرار المالي والمصْرفي العالمي، كما أن رصيده هذا بقي حتى ما قبْل بدء العراك على منصب رئاسة الجمهورية بأسابيع يؤهله لكي يكون الشخص الذي يخلُف الجنرال ميشال عون في رئاسة الجمهورية اللبنانية، ثم بكشْف متدرج للإضبارات والعمليات المالية التي لا تجيز لرئيس مصرَف مركزي أن يكون قريباً منها، جرى حذْف الرجل كمرشَّح محتمَل للرئاسة. ثم يوماً بعد آخر تكشفت العمليات المستورة وبات الرجل الذي كان نجماً في وسائل الإعلام العربية وبعض مثيلاتها الأجنبية متهَماً يجري التحقيق معه ثم يودَع السجن ولا يفرَج عنه إلاَّ بعدما أوجب الوضع الصحي ذلك ومقابل كفالة بالملايين هي الأعلى في تاريخ الكفالات، والغرض منها أن لا يغادر لبنان ويلجأ إلى دولة تحميه ويغريها بما يثبِّت الحماية.

وهنا التساؤل: كان يمكن أن يترأس الجمهورية وعلى نحو رئيس المصرَف المركزي اللبناني الياس سركيس الذي حظي بما يجمع أعضاء البرلمان اللبناني على ترئيسه خلفاً للرئيس سليمان فرنجية المختصَرة ولايته بضعة أسابيع من دون أن يسعى إلى ذلك، لماذا يفعل لنفسه ما فعله وما قيمة الملايين بل والمليارات إذا كانت بين يديه لبعض الوقت ثم تتطاير في الهواء وهو في طريقه إلى السجن فيما صنوه السابق في ترؤس المصرَف المركزي إرتضى حياة على درجة من البساطة ودرجات من كرامة النفس وإكتفى بإقامة في غرفة داخل فندق ذكَّرتْنا بغرفة المرتضي الآخر للبساطة والكرامة ريمون إده في منفاه الإختياري باريس حتى وفاته.

وبالعودة إلى الحالة الساركوزية يتساءل المرء: لقد وصل الرجل إلى قمة الحُكم. وهذه القمة بالغة الحساسية. الحفاظ عليها واجب والنزول منها يتصل بمَن تربَّع سنوات عليها، بمعنى أن عليه التنبه وحسبان ما قد تكون العاقبة إبهاتاً لسنوات مجْده زمن التربع على القمة، وحديثاً ما هو أكثر من الإبهات أي تكبيل اليدين وفْق مقتضيات طقوس السجَّانين للمسجونين. حدَث ذلك في وضْح النهار لإثنين كانا في القمة ثم هويا بِفعل من جانب كل منهما إلى الهاوية، أكثرها مدعاة للإستغراب نيكولا ساركوزي الذي كان سنوات رئيساً لفرنسا شريكاً في صناعة القرار الدولي يستقبل في قصر “الإيليزيه” كبار الشأن من الحكام والزعامات الدولية والعربية والإسلامية.

في جديد سُجل قصر “الإيليزيه” ملامح تقليد جديد تمثَّل في أن الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون إستقبل ساركوزي قبْل أن يتم سوْقه مخفوراً إلى السجن واصفاً هذا اللقاء المستهدِف “كريم قوم أو رئاسة أذلَّ نفسه” بأنه “طبيعي من الناحية الإنسانية”. كما في السياق نفسه يعلن وزير العدل في العهد الماكروني على الملأ أنه سيزوره في السجن. ولكن الرئيس السجين لم يحظَ بما كان يفترَض حصول بعض التميز له، ذلك أن حاله في الزنزانة المعزولة كانت من حال إثنين من النزلاء الذائعي الثورية هما كارلوس الذي سُجن بإعتباره إرهابياً بتوصيف إعلامي له بأنه “كارلوس الثعلب” والزعيم الشعبي في بنما نورييغا. لكن التحسينات التي جرت لاحقاً ﻟ “عالم الزنازين” حققت ﻟ ساركوزي الحمَّام الخاص والتلفزيون الذي سيبث بين الحين والآخر الكثير عن واقعته التي بسببها كانت المحاكمة فإصدار الحُكم بالسجن فالإنتقال من البيت الفخم في أهم جادات باريس (الجادة 16) مصطحباً لما يخفف من وطأة السجن معنوياً لأنه في حال مالية مستقرة، من مكتبته كتاب “الكونت دو مونت كريستو” من تأليف الكسندر دوما ربما لأنه كما بطل الكتاب يرى نفسه مسجوناً بدافع الإنتقام ممن خانوه، وهؤلاء ربما الذين من وراء الظهر كما التوصيف السائد، أبرموا بإسمه صفقة مع العقيد معمَّر القذَّافي الذي كان كثير السخاء إزاء تطلعات دولية له وأن هؤلاء إحتفظوا بالكثير من المال الذي نالوه وأعطوا  المتبقي حزب رئيسهم ساركوزي “الإتحاد من أجْل حركة شعبية”. ومع أن جنيْ كبار القوم من رؤساء العالم من أموال المكتنزين أمر مألوف، إلاَّ أن إخراج الصفقة من السر إلى العلن تودي بالذين إكتنزوا إلى التهلكة وبالذين حققوا سباق الصفقة المالية وتحت مغريات سياسية كثيرة إلى السجن على نحو ما أصاب ساركوزي وكثيرين آخرين من بينهم الرئيس السابق للمصرَف المركزي اللبناني رياض سلامة.

وما هو أكثر إيلاماً أن ساركوزي الذي رافقتْه زوجته كارلا بروني يداً بيد إلى السجن، وجد نفسه وهو في طريقه إلى زنزانته المريحة نسبياً مئات النزلاء السجناء يرمونه بشتى أنواع الإتهامات ويسخرون منه بعبارات تنمُّرية طالما برع الفرنسيون في صياغاتها.

كان حرياً بالرئيس ساركوزي الذي عاش ست سنوات رئيساً في القمة وإنتهى سجيناً في السفح أن يأخذ في الإعتبار خلاصة رؤى العلَّامة إبن خلدون في الحُكْم والحكام وهي إن السُلطة ليست في أهمية منالها وإنما في المحافظة عليها ومغادرتها كريم النفس. ولو فعل ساركوزي ما فعله الجنرال ديغول لكان مكانه التاريخ وليست الزنزانة.

 

فؤاد مطر .

.