في إنتظار دقت ساعة التعمير

إستوقفتْني وأنا أتصفح تعليقات في صحف ومواقع فضائية إسرائيلية مترجمة إلى العربية، عبارات في صحيفة “هآرتس” عدد يوم الخميس 18 يونيو/ حزيران 2026 إحداها مقارنة بين حالة أدولف هتلر وبنيامين نتنياهو قال كاتبها أوري مسفاف الآتي:”كتب مؤرخون مثْل يواكيم فيست وإيان كيرشو وأنطوني بيفور بإسهاب عن الحالة النفسية ﻟ أدولف هتلر في أيامه الأخيرة داخل المخبأ في برلين عام 1945 عندما بدأت الحقيقة تُطْبق عليه ورصدوا لديه حالة الإنكار والإنفصال عن الواقع والإحساس بالإضطهاد “الجميع ضدي وضد الشعب، والمسؤولون خونة، والجنرالات إنهزاميون يطعنونني في الظُهر…”. ويضيف الكاتب: “لا مجال للمقارنة بين نتنياهو وهتلر، لكن نوبات الغضب لدى كل منهما مًطابِقة لما وصًفه المؤرخون…”.

يضيف الكاتب أيضاً: “لا يوجد مقابل حلقة النار الأمنية التي يحيط نتنياهو نفْسه بها وإلى جانب بن غفير الذي يعتدي على المتظاهرين بشكل متكرر، هيئة أركان مِن جنرالات مطيعين لا يوجد بينهم  شخص واحد شجاع يضرب بيده على الطاولة ويرفض المشاركة في مزيد من الهجمات على لبنان وغزة، مع التضحية بالجنود وترْك الجبهة الداخلية عرضة لعمليات للرد…”.

ويخْلُص الكاتب إلى القول “هذا الرجل (نتنياهو) قادر على جرْنا إلى مصير شبيه بمصير مسادا (إشارة إلى حصار قلعة مسعرة على أيدي الرومان ومقتل كل المتمردين اليهود الذين تحصَّنوا فيها عام 75 بعد الميلاد) ثم الهرب إلى ميامي…”.

هذا الذي يحبِّره الكاتب الإسرائيلي يأتي فيما الرئيس ترمب يتخذ موقفاً مِن نتنياهو تمثَّ

ل بملاحظة حادة من جانبه بدت كما لو أنها تنسجم إلى حد ما مع الذي أوردتْه “القناة 12 الإسرائيلية” يوم الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026 وتمثَّل بصيغة تساؤلية على النحو الآتي: “ماذا سيكون موقف ترمب الذي أعلن توقيع الإتفاق مع إيران وإذ بإسرائيل تقصف بيروت في اليوم نفسه”. وأما العبارة التي قالها ترمب فإنها أتت على درجة مِن الحزم وتتمثل بقوله “إن الغارة على الضاحية الجنوبية لبيروت لم يكن يجب أن تحدُث خصوصاً في يوم نحن قريبون جداً من توقيع إتفاق سلام مع إيران…”. ولأن الذي يعني نتنياهو هو تمديد رئاسته للحكومة الإسرائيلية منذ العام 1996، فإنه يحاول إستعادة دعْم ترمب له كما ماضي السنوات الثلاث المنصرمة، وذلك مِن خلال ما أمكنه التشويش على إنجاز حققه الرئيس ترمب خلال إستبدال التعامل الصاروخي على أنواعه بالتعامل الدبلوماسي الذي بعدما تجاوز العبء البنياميني حدود التحمل بات لا بد من التسوية وعلى النحو الذي تم توثيق بنود المعاهدة والتوقيعيْن الأميركي والإيراني عليها، وهو إنجاز يتباهى الرئيس الأميركي بتحقيقه لكن ما بعد التوقيع فالتنفيذ إلتزاماً، غير قابل للتعديلات والإجتهادات، تبقى المسألة الأكثر أهمية والتي لم تأتِ الإتفاقية الأميركية – الإيرانية عليها وهي إضافة إلى إيقاف محاولات العدوان الإسرائيلية التي هي في نظر نتنياهو بمثابة درجات تُحقق له الصعود إلى رئاسة الحكومة تفادياً للمساءلات الجاهزة فضلاً عن الإتهامات التي ما زالت في إضبارات المحكمة المختصة في إسرائيل والتي نجا منها أو نجَّاه منها الرئيس ترمب في مرحلة تحالُف تناثرت بعد الإتفاق مع إيران دواعيها.

وأما المسألة الأكثر أهمية فإنها التعمير بعد التدمير الذي لا سابقة له بهذا الشمول في تاريخ الصراع العربي – الإسرائيلي . وهنا يتحمل واجب التعمير مَن إرتكب إثم التدمير حيثما حصل سواء في إيران وإسرائيل وبشكل يتسم بالإبادة في مناطق من لبنان بعد غزة، فضلاً عن تدميرات حدثت في دول خليجية. والمسألة تلك تحتاج إلى مؤتمر مِن النوع الذي إنتهت إليه صيغة الحل بين الإدارة الأميركية والنظام الإيراني. وهذا المؤتمر لا يحتاج إلى وسطاء كما الوساطة الباكستانية المدعومة ضمْناً سعودياً، وإنما إلى إرادة إتخاذ خطوة يتم بموجبها التعاون مِن أجْل التعمير الناشىء عن التدمير، مع ملاحظة أن السنوات الثلاث الحافلة بالتدمير إضافة إلى ما نتج عن إغلاق “مضيق هرمز” من إرتدادات إقتصادية أصابت ميزانيات دول كثيرة وخُطط تنموية في الصميم، يجعل من مسألة التعمير مطلباً غير سريع التنفيذ قطْعاً لحدوث حالات من الفوضى تؤسس مع الوقت لمشاعر إحترابية. وبالعودة إلى ما أوردْنا ملامح حول الوضع الإسرائيلي في ضوء التسوية الأميركية – الإيرانية وإستمرار نتنياهو في عدوانه على لبنان متى شاء وحيثما أراد، فإن إنقاذ الإتفاق الأميركي – الإيراني المرحَّب به عربياً وإسلامياً ودولياً يكون بردع حاسم للعدوان البنياميني والتحضير للحظة سماع عبارة “دقت ساعة التعمير”.

والله المعين.

فؤاد مطر .

.