نُشرت في صحيفة “الشرق الأوسط”
بتاريخ يوم الأحد 17/ 5/ 2026
قبْل أسابيع ودَّع مجتمع السياسة والثقافة العربي الروائية الرومنسوية كوليت خوري التي كانت كما اللبنانية ليلى بعلبكي لها حضور لافت في المشهد الثقافي خلال حقبة أمضتها في لبنان قبْل أن يستقر بها المقام في رحاب البيت السوري العريق متمثلاً بجدها الرئيس فارس الخوري وبوالدها سهيل الخوري الذي سار بكثير من التألق على خطى والده. ولم يفارق حضور أصلهم اللبناني في ما أنجزوه سياسياً وثقافياً، مع ملاحظة أن لبنان وعاصمته بالذات جوهرت كتابات كوليت، وهي في ذلك بمثل المكانة التي حظيت بها فيروز التي صدحت في الرحاب الدمشقية، فبات السوريون ينظرون إليها كأيقونة، وهذا في زمن سبق الحرب اللبنانية منتصف السبعينات، وهو زمن كان الشاعر سعيد عقل كثير الإنبهار بدمشق التراث والتاريخ وأوجز ذلك بقصيدة مطلعُها “سائليني حين عطَّرت السلام. وأنا لو رحْتُ أسترضي الشذا لإنثنى لبنان عِطراً يا شآم”.
أخذت الحفيدة كوليت في الإعتبار أن العمر يمضي سريعاً والذاكرة لا تبقى على نضارتها فأرَّخت وفي سياق كتابة المذكرات الدور الوطني بإمتياز الذي إرتسمت به سنوات ترؤس جدها فارس الحكومة خطوات سياسية حققها قبْل الترؤس وبعده.
وهذا الإنجاز الذي تسجله لها أجيال ما بعد الخمسينات وكذلك الباحثون وطلاب العلوم السياسية أصدرتْه في جزئين والذاكرة في كامل حيويتها، لم تأخذ بضرورة إنجازه كريمات الرئيس رياض الصلح صنو فارس الخوري وكثيرين من رموز العمل السياسي. ولذا نجد رياض الصلح يرحل ولا مذكرات عن سنواته المبهرة والعاصفة.. إلاّ إذا إرتأت الإبنة ليلى إستدراك الأمر مِن خلال نخبة مِن الموثقين العمل على إنجاز مذكرات والدها، وعلى نحو ما فعله تمام سلام بعدما لم يعد رئيساً للحكومة، إنجاز ما يتعلق بمواقف إتخذها والده، الذي إما حذا حذو كوليت خوري أو إن الوالد الرئيس الراحل ترك في عهدته عشرات الإضبارات التي تحوي من الأوراق والمراسلات والمحاضر، إنتهت منشوراً ما هو مناسب.
وحدْه الرئيس الأول للبنان المستقل الشيخ بشارة الخوري دوّن بنفسه وبمساعدة المؤرخ يوسف إبراهيم يزبك كونه الشاهد على المسيرة السياسية للبنان قبْل الإستقلال وبعده مذكراته التي هي مرجع للباحثين وللأجيال السياسية جيلاً بعد جيل.
مناسبة هذا الإستهلال أن قادة ورؤساء كانت لهم بصماتهم في تاريخ المنطقة لم يعيروا إهتماماً أمر كتابة مذكراتهم. بعضهم لأنه رحل وهو في سدة الحُكم ولم يتسن له إنجاز ذلك وبعض آخر بات غير راغب في ذلك.
وهكذا باتت الأجيال العربية لا تقف على تاريخ مراحل من خلال مذكرات قادة شغلوا المنصب الذي يتقدم فيه إتخاذ القرار على التفكير بما بعد تسليم المقاليد إلى غيره.
إنطلاقاً من شغفي بالوقوف على مذكرات أهل السياسة غير المتوافرة عموماً، جهدْتُ في السعي للوقوف على المتيسر من مخزون ذكريات ومواقف وأسلوب تعامُل قادة عرب وذلك من خلال كتابة السيرة الذاتية لهؤلاء وبحيث أن إتاحة المجال أمامي لطرح المزيد من الأسئلة والإستفسارات تجعلني أحيط بالمتيسر مما يمكن إحاطته عن أحداث ومواقف هذا القائد أو ذاك، وبذلك يمكن الوقوف على ملامح مذكرات لو أراد أن يتضمنها كتاب أو أكثر يحقق النفع المعرْفي لمن عايشوا سنوات قيادته وللذين مِن بعدهم من أجيال.
وللتوضيح فإن السيرة الذاتية بالصيغة التي أوضحتُها شملت الرؤساء معمَّر القذّافي وصدَّام حسين وجعفر نميري كما أن الدكتور جورج حبش الظاهرة الإستثنائية في العمل الفلسطيني كان مِن الذين أفادت كتابتي سيرته الذاتية، في تفسير كنه العمل الثوري الفلسطيني بقيادة مسيحي خريج الجامعة الأميركية في بيروت. أما بعض الآخرين فإنني سعيتُ لكن لم يجْدِ السعي وأخص مِن هؤلاء أحمد بن بيللا في لقائيْن معه في القاهرة ثم بغداد وبعدما بات خارج الأسر البومديني له ثم ناشطاً بإمتياز في إبداء الرأي بصيغة النصح أمام قادة عرب كانوا يعيشون مآزق سياسية.
خلال الزيارات إلى الجزائر كان المفكر السياسي الدكتور محيي الدين عميمور كثيراً ما يحيطني بوقائع عن الحُقب التي سبقت حقبة الرئيس بن جديد الذي كان مستشاراً له، وهذا يسر لي أن يتضمن اللقاء بالرئيس إجابات عن أسئلة لكم يتمنى المرء لو أن الرئيس جعل من الإجابة عليها مدخلاً إلى كتابة مذكراته وعلى نحو ما فعله الرئيس الخامس للدولة علي كافي الذي قدَّم لي صيف العام 1999 لدى لقائي به في السفارة في بيروت حيث كان سفير الجزائر لدى لبنان. ومع أن كتابه المعنون “مذكرات الرئيس علي كافي. من المناضل السياسي إلى القائد العسكري” يُعتبر وثيقة تحوي الصفحات بالجداول وبالوثائق والمراسلات التي معظمها بخط اليد فضلاً عن وثائق مطبوعة على الآلة الكاتبة التي لم تكن تطورت إلى ما هي عليه في الزمن الحالي. وكان أمراً لافتاً أن هذه المذكرات ما لبثت أن إرتأى صاحبها لتحفظات من رفاق الثورة الجزائرية الإكتفاء بكتابتها وصدورطبعة واحدة لها.
خلاصة القول إن كتابة المذكرات من جانب قادة حكموا وترأسوا وكانت لهم مواقف في مسيرة العمل السياسي العربي، هي بمثابة تنوير خصوصاً أن أحكاماً ظالمة في حق بعض هؤلاء تحدُث في غياب كتابة المذكرات.. وعلى نحو ما يفعله رؤساء غربيون حيث ظاهرة هذه المذكرات مزدهرة في الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا بشكل خاص.
فؤاد مطر .
.
