اليد الممدودة بعد التمدد

غادر وزير خارجية إيران عباس عراقجي طهران يوم الخميس 8 كانون الثاني 2026 إلى بيروت في زيارة كان اللافت في عنوانها الرئيسي أنه آت مع وفد إقتصادي إيراني. وأما لماذا الأمر لافتاً فلأن الزائر الدبلوماسي الإيراني المرموق يقوم بزيارة ذات طابع إقتصادي فيما الأحوال في إيران تزداد تعقيداً بسبب إتساع التظاهرات التي بدأت لدواع إقتصادية معيشية مغلَّفة بما هو موحى به. وتتعلق الدواعي الإقتصادية بإنخفاض لافت في سعر العملة الإيرانية وإرتفاع ملحوظ في الأسعار. وكانت بعض  الهتافات والمطارَدات من جانب رجال الأمن تترك إنطباعاً بأن الوضع الإيراني يعيش حالة مقلقة بعدما سقط قتلى ورُفعت لافتات ضد المسار الحكومي، كما جرى رفْع أعلام من خلال عناصر كانت تعيش في الظل وتنتمي إلى حركة “مجاهدي خلْق” التي تتخذ من عواصم أجنبية وبالذات الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا ملاذات لها، مقرونة بتدعيم إعلامي يستهدف النظام في إيران بغرض تقويضه في الحد الأقصى وترويضه في الحد الأدنى حِرصاً على المصالح التجارية والنفطية لهذه الدول.

ما بحَثه الوزير الدبلوماسي مع الرؤساء الثلاثة هو غير الذي تَدارَسه تبليغاً أو تحفيزاً وطمأنة في الوقت نفسه، خلال لقاء معلَن مع الأمين العام ﻟ “حزب الله” الشيخ نعيم قاسم وربما خلال تحادُث غير معلَن عنه مع قيادات أمنية في “حزب الله” وهو أمر مأخوذ به بمعنى ألاَّ يكون الزائر الإيراني من “الحرس الثوري” وإنما يتولى الوزير الدبلوماسي ما هو موجب تبليغه من دون كثرة تكهنات حول الأمر، وأتبْع اللقاء بالشيخ نعيم بلقاء مع نائب رئيس المجلس الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب ثم زيارة مرقد السيد حسن نصرالله، مشدداً خلال الزيارة على دعْم إيران للمقاومة. بهذه الزيارة الرحبة سياسياً ودينياً بدا الوزير عراقجي وكأنما يقوم بزيارة وداعية، أو هي على حد قوله “زيارة تنقية العلاقات بين لبنان وإيران”. كذلك شمل بإطلالته التي تحمل إجتهادات كثيرة دار الفتوى يرافقه السفير الإيراني، إنما من دون الإفصاح من الزائر الإيراني والمفتي عبداللطيف دريان عما تناول الحديث بينهما من التحذير والنصح والتمني بما يصون البلاد والعباد. واللافت أن زيارة الوزير عراقجي لدار الفتوى سبقتْها زيارة قام بها (الجمعة 2 كانون الثاني) المستشار الثقافي الإيراني إلى الصرح البطريركي محمد رضا مرتضوي ما يعني أن المرشد خامنئي يريد إنفتاحاً يتطور مع البطريرك الراعي وطائفته الأكثر تحسساً من الدور الإيراني في لبنان.

في أي حال كانت عبارات في اليوم التالي (الجمعة 9 كانون الثاني 2016) قالها المرشد خامنئي في إطلالة أوجبتْها مخاطر تزايُد الإحتجاجات والتظاهرات وعلو سقف الهتافات ومضمونها من الإشارات المقلقة، فيما وزيره الدبلوماسي يواصل المهمة التي جاء من أجْلها إلى لبنان إتصالاته الرسمية وربما تطميناته المقاومية مقرونة بالنصح أن تتحمل ما أمكنها التحمل والإنسجام مع التوجه الحكومي في موضوع السلاح. هنا يستوقفنا رد فعل الشيخ نعيم من خلال عبارة “إن حزب الله سيبقى مع الدولة والجيش اللبناني لطرد الإحتلال وإيقاف العدوان وتحرير الأسرى وإعادة الإعمار”. وأهمية عبارات المرشد في إقراره بخطورة الموقف والنصح بالحذر الشديد والتنبه الأشد للذين نزلوا محتجين إلى الشوارع وهتفوا بصوت عال ضد النظام، شاملاً التنبيه الرئيس ترمب المبتهج حتى إشعار آخر ربما غير سار بغزو كراكاس وإلقاء القبض على رئيس فنزويلا وزوجته وسوْقهما مكبليْ اليدين مع كدمات على وجه كل منهما إلى المحكمة التي مقرها نيويورك التي عُمدتها المسلم زهران ممداني الذي ألقى فوزه ظلالاً على زعامة الرئيس خاطف الرئيس بنية إختطاف دول أُخرى وبالذات نفط هذه الدول ومعادنها.

وفي المنحى المرشدي نضع خطين تحت عبارة قالها خامنئي فيما الزائر الدبلوماسي – الإقتصادي يواصل الإجتماعات التطمينية مع المسؤولين اللبنانيين، الذين البعض منهم يرى أن الفعل الترمبي في فنزويلا يمكن تكراره بصيغة ما في إيران وأن التظاهرات والهتافات غير المسبوقة قد تكون التمهيد لذلك. ما قاله المرشد خامنئي كان رداً وبالتحدي على تحفيز ترمب للتظاهرات التي حدثت في مدن إيرانية كثيرة وقوله عبْر تدوينة “أكثر من مليون شخص نظَّموا إحتجاجات. ثاني أكبر مدينة في إيران باتت تحت سيطرة المتظاهرين وقوات النظام غادرت المدينة”. عبارة تبدو عادية لو أنها وردت في سياق نشرة إخبارية عادية، لكن عندما تأتي من رئيس الولايات المتحدة فإنها تبدو تحفيزاً للتظاهر وإتساع رقعة التظاهرات بأمل التمهيد لخطة أميركية تنتظر التنفيذ لإسقاط النظام في إيران. ونقرأ في رد المرشد خامنئي على ما صدر عن الرئيس ترمب ما يشبه التحدي وذلك من خلال قوله: “إن يد أميركا ملطخة بدم آلاف الإيرانيين في حرب ال 12 يوماً التي شنتها على إيران. على الرئيس الأميركي التركيز على مشاكل بلاده، وأدعو الشعب الإيراني إلى الحفاظ على الوحدة وتوحيد كل صفوفه من أجْل الإنتصار على الأعداء…”، هذا إلى إجراءات متشددة إتخذتْها القوى الأمنية ضد المتظاهرين وسقط خلال أيام من هذه الإجراءات ضحايا.

في أي حال كانت زيارة الوزير عراقجي ضرورة للبنان كما هي لإيران، وبصرف النظر عن المردود السريع لها، فهي لطفَّت بعض الشيء، بل ونكاد نسبة عالية من التصلب تجاه إيران و”حزب الله” من جانب الطيف الذي لا يرى سوى تسليم المقاومة أسلحتها ومسيَّراتها وفي إعتقادها أن مثْل هذا التسليم الأقرب إلى الإستسلام يحقق الطمأنينة للبنان فلا تعود إسرائيل تواصل العدوان ولا الإدارة الأميركية معترضة على ذلك، فالذي جرى في لقاء فلوريدا بين الرئيس ترمب ورئيس حكومة إسرائيل نتنياهو ما زال طي التكهنات مثْل أن الإدارة الترمبية فوَّضت نتنياهو بأمور كثيرة لعل من بينها ضرْب “إيران اللبنانية”، على مراحل يبقى إلى حين الإنتهاء من تداعيات غزوة فنزويلا وخطْف رئيسها مادورو وزوجته، هو الخيار الأفضل مؤقتاً. وهذا يفسر كيف أن الإعتداءات الإسرائيلية على بلدات في الجنوب والبقاع ومنطقة بعلبك – الهرمل تحدُث يومياً، حتى أنها زادت إيذاءاً فيما الوزير الإيراني المترئس وفداً إقتصادياً يواصل إبلاغ المسؤولين اللبنانيين توجيهات المرشد بأن تكون العلاقات الإقتصادية مع إيران مثْل العلاقات التي على سبيل المثال لا الحصر مع سلطنة عُمان ودولة الإمارات أي التفريق بين السياسة وضروراتها والإقتصاد الذي عند إزدهار خطواته يقلل من الحذر ويهدىء النفوس. هنا تستوقفنا عبارة قالها لاريجاني منذ وصوله وكررها أمام مرجعيات إسلامية وهي “ندعم سيادة لبنان وسلامة أراضيه”، وهذا يتيح المجال أمام تغليب لغة الحوار على ما عداها. وهنا نرى بعد الكلام اللاريجاني الطيِّب الذي سمعه وزير الخارجية اللبنانية يوسف رجي الكثيرة الحدة مواقفه في ما قبْل زيارة زميله من إيران و “لبنانها” (الطائفة الشيعية المتمثلة بالمقاومة وبالولاء بنسبة عالية الدرجة ل “حزب الله”) أن من شأن وقفة إصغاء مارونية إلى كلام قاله أحد أبرز أبناء الطائفة النائب طوني سليمان فرنجية فتْح نافذة للتأمل، وبالذات دعوته الرئيس جوزف عون متزامناً مع بدء الرئيس السنة الثانية من ولايته إلى “إطلاق حوار وطني جدي وعميق يؤسس لموقف وطني جامع”. وهي دعوة ذات صفة إنقاذية في حال حدوث التجاوب معها، وبحيث لا تعود السجالات في صيغة تصريحات أو خلال مؤتمرات حزبية ولقاءات عبْر الفضائيات تشعل النار في النفوس. هنا يتساءل اللبناني لماذا لا يتزاور رموز سياسية فاعلة على سبيل المثال الدكتور سمير جعجع والشيخ نعيم قاسم يحاول كل منهما بدل الحدة التصريحية الأخذ والرد في القضية اللبنانية بأمل الوصول إلى جوامع مشتركة كثيرة أو في الحد الأدنى تؤسس لمزيد من التحاور. وحيث أن مثْل هذا اللقاء مستصعب لكثرة الإحتقان في النفوس، فإن الحوار يتم في رحاب رئاسة الجمهورية يقلل من هذا الإحتقان ويؤسس لما هو أفضل للبنان الوطن الذي ربما يؤدي به صراع الأقطاب من سياسيين وقادة حزبيين إلى أن إسرائيل تبتلع في غمضة عين المزيد من أرضه. وعندها لا يعود للصراعات والتحديات والحزبيات أي مردود وطني.

خلاصة القول إن زيارة الوزير الإيراني عباس عراقجي على رأس وفد إقتصادي وما تحمله النوايا الطيِّبة على نحو التصريحات التي أدلى بها هي بمثابة اليد الممدودة بعد طول إنقباض من جانب الجمهورية الإسلامية إلى كل لبنان وليس فقط كما المألوف إلى “لبنانها” وهذا يعني أن تُصافح اليد اللبنانية الكاملة الأصابع اليد الممدودة بعد طول تَمدد، وبحيث بات جمْع من الشعب اللبناني يشعر أن جنوب لبنان وبعض بقاعه وضاحية عاصمته هي إقليم إيراني وإن كان غير مثبَّت في خارطة الجمهورية الإسلامية منذ بدئها مع إمامها الخميني وصولاً إلى مرشدها الخامنئي. وفي ذلك ما يجعل الطمأنينة تبدأ بالتدرج وعلى ضوء قول الرسول (ص): ” سيصيب ‌أمتي ‌داء ‌الأمم. ‌فقالوا: ‌يا ‌رسول ‌الله، ‌وما ‌داء ‌الأمم؟ ‌قال: “‌الأشر، والبطر، والتدابر، والتنافس في الدنيا، والتباغض، والبخل، حتى يكون البغي، ثم يكون الهرْج”.

لعل التأمل فالتبصر.. فالهداية تشمل الجميع وهم كُثر في الأمتين.

فؤاد مطر

: