رجل العام الأممي

ثمة تقليد مألوف في بعض وسائل الإعلام وبالذات الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية، على أن تتوِّج العدد الصادر من صحيفة أو مجلة في اليوم قبْل الأخير من العام بإختيار شخصية ذات تأثير في إتخاذ خطوات أو قرارات ذات فعالية على صعيد الدولة التي يترأسها مَن هو شخصية العام، أو تكون لخطوات أو قرارات يُصدرها ذات تأثير فوري أو على المدى القصير بالنسبة لأوضاع في دول أُخرى.

وكنا بالنسبة إلى الدولة العظمى الولايات المتحدة نترقب صدور العدد الأخير من السنة لمجلة “تايم” لنرى مَن هو الذي وضعت صورته على غلافها “رجل العام” ومثْل هذا التقليد من جانب “مجلة تايم” كان يلقى في نفس مَن إختارته الإبتهاج كونه يميزه عن سائر الرؤساء.

إلى التقليد المشار إليه كانت أطياف من الرأي العام تتابع بدورها بحُكم الرصد الدائم العمل السياسي وإتخاذ القرارات من جانب كوكبة من رؤساء دول العالم. وكثيراً ما كان الحديث في مجالس الأطياف المشار إليها يتناول ما أنجزه هذا الرئيس أو ذاك مع تصنيف الإنجاز بحيث إذا وصل إلى الرقم الأعلى يُعتبر هذا الرئيس “رجل العام”.

في العام الذي نودِّعه يوم الأربعاء 31 ديسمبر/ كانون الأول 2025 كان الرئيس دونالد ترمب حاضراً في كل يوم من أيام العام، والحضور يتسم بقرارات لم يسبق أن تجرَّأ رئيس للولايات المتحدة على إتخاذها سواء بالنسبة إلى قضايا تنحصر في الدولة الأميركية، أو بالنسبة إلى العلاقات مع دول العالم، وبالذات حيث المصالح الأميركية التجارية في الدرجة الأساس تتأثر بفعل ما يتم إستحداثه في تلك الدول مما يأخذ من عوائد الشركات الأميركية.

إلى ذلك نرى “رجل العام” الذي هو الرئيس ترمب يمسح بتوقيعه مهابة بعض الذين سبق أن ترأسوا الدولة الأميركية، ويتخذ من القرارات ما بدا يعكس جنوحه نحو المواجهة مع آخرين، وهذا يتمثل بتغيير تسمية وزارة الدفاع (البنتاغون) بحيث بات إسمها “وزارة الحربية” كما يستبدل تسميته مركز ثقافي جرت إشادته كنوع من التعويض المعنوي للرئيس جون كيندي الذي قضى إغتيالاً، بإطلاق إسم “مركز ترمب الثقافي” بدل “مركز جون كيندي الثقافي”.

ما هو المهم في العام الترمبي هو وضْع حالة “حماس” و “مصير غزة” على طريق الحسم. لكن ذلك سيبدو أكثر وضوحاً وربما حسماً في ضوء زيارة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو (إلى فلوريدا هذه المرة)، التي باتت تندرج لكثرة القيام بها تقليداً لم يحظ به رئيس حكومة إسرائيلية مِن قبْل. ومِن الجائز الإفتراض في ضوء المكاسب الأميركية من صفقة الغاز الإسرائيلية (إحتلالاً) الفلسطينية حقاً شرعياً قبْل العام 1948 والتي دفعت مصر لإسرائيل ومنها المستحقات لشركة أميركية 35 مليار دولار نصيب إسرائيل منها 18 مليار دولار وذلك حتى العام 2040 أن تكون لهجة ترمب أشد حسماً، إذ مثْل هذا المبلغ العائد من “غاز فلسطين” يباع إلى الدولة العربية مصر المضطرة إلى ذلك لدواع تتصل بالأسعار وطريقة الوصول وضغوط الداخل من أجْل ألاَّ ينقطع الغاز عن المحروسة، من شأنه تخفيف ضغوط الأزمة الإقتصادية التي تعيشها إسرائيل منذ أن حدثت إستهدافات صاروخية ومسيرات لها  أُحدثت تبدلاً نوعياً في حياة الناس وتهجيراَ من مناطق إلى أُخرى، فضلاً عن هجرة ألوف الكفاءات مِن حاملي الجواز الثاني (أميركي – بريطاني – فرنسي_ تشيكي_ روماني). وثمة أرقام تؤكد إرتباك الوضع الإقتصادي الذي إهتزت حاله بعد الحرب البنيامينية على غزة والصواريخ التي إستهدفت مواقع أساسية داخل إسرائيل من بينها مطار بن غوريون، حتى ثمة معلومات مفادها أن ملياريْ دولار تحتاجها إسرائيل البنيامينية راهناً لإعادة ترميم الوضع عمرانياً وصناعياً وسكنياً.

وهنا تصبح زيارة نتنياهو بين المناسبة الميلادية ومناسبة إنقضاء العام 2025 زيارة مَن يريد من “رجل العام” إنقاذ ما في الإمكان إنقاذه.

تكتمل مواصفات “رجل العام” بالنسبة إلى الولايات المتحدة، و “رجل العام” لثلثيْ دول العام حيث تأثير سياسته وقراراته تشكِّل إقلاقاً لشعوب هذه الدول مِن رفْع منسوب الإنذار فالتهديد إلى حالات حربية تؤدي مع التكرار إلى إضطراب أنظمة فسقوطها.. تكتمل المواصفات في حال أخذت كفة إحقاق الحق نصيبها من رئيس الدولة العظمى دونالد ترمب، بحيث لا تفوته فرصة الإهتمام بالوضع الصحي المتدهور سكنياً في غزة وإستمرار القصف بين حين وآخر على بيوت، كما الحال مع جنوب لبنان الذي لم يهنأ بما فيه الكفاية بوعود “رجل العام” ترمب عبْر مبعوثيه بأنه حريص على هذا الوطن المستباح. ومثْل هذا الإهتمام الذي نشير إليه لا يتحمل إنتظار إعادة إعمار غزة أولاً ولا إستكمال وضْع اليد الإسرائيلية وبعض الشركات النفطية والغازية الأميركية على بقية ثروة فلسطين ونعني بها كميات النفط في حقول سواحل غزة، شأنها في ذلك شأن حقول “فلسطين المحتلة” في سواحل حيفا والرملة وعسقلان. وما يخص نفط سواحل غزة فإنه يتصل بتدمير القطاع لكي يصبح إسرائيلياً وبإرتضاء الولايات المتحدة لذلك.

في ضوء ما أوردناه ألا يبدو الرئيس ترمب أنه “ترمب رجل العام” في نظر أكثرية شعوب الولايات المتحدة بمختلف أصولهم ومِنها الأصل السكوتلندي للرئيس ترمب، لكنه في واقع الحال ومِن قبْل التكهن بما سيكون عليه العام 2026، هو “رجل العام الأممي” وتلك حالة لم يسبق أن إرتبطت بشخص رئيس أميركي.

… وكل عام ونحن نترقب المأمول مِن هذا “الرجل الإستثنائي”.

فؤاد مطر

فؤاد مطر .

.