نُشرت في صحيفة “الشرق الأوسط”
بتاريخ الأحد 16/11/2025
منذ خمسة أشهر وعلى مدى فترات متقطعة يعيش العالم من القُطب إلى القُطب ومن دون إستثناء دولة من دول العالم ما يجوز تسميتها “هستيريا الذهب”.
تناسى أبناء الله التبدل غير المسبوق للمناخ بهذه الحدة فباتت أشهر الخريف والشتاء وكأنما هي إمتداد لشهر الصيف وباتت صلوات الأشقاء في دول إسلامية أمراً موجباً. حرارة غير مألوفة تفتك بالبشر حول العالم وفاة كل دقيقة وحرائق تلتهم ما هو أخضر من الأرض التي أثقلها الإصرار على الحروب وإنزال الصواريخ بدل إروائها بالماء لكي تعطي من الثمار والبقول ما يخفف من وطأة المجاعة وبحيث لا يصيب بعض الدول بفعل الإنقلابات العسكرية بأهون السبل، ما أصاب السودانيين بعد الغزيين من أهوال الجوع والعطش والأمراض، ناهينا بالتهجير وبالتدمير الذي لا يقْدِم عليه سوى المخالفين الشرائع السماوية. ولقد تمددت موجة “هستيريا الذهب” على رغم دخول أهل العِلْم والإختصاص المنشغلين بالأبحاث على أنواعها واجب التحذير من إنفجار سيدمر الأرض “بفِعل وحش ضخم نائم يدعى الثقب الأسود ويمتلك كتلة تعادل 4.3 مليون مرة كتلة الشمس ويبلغ قطره حوالى 24 مليون كيلومتر”، وكذلك الجفاف الذي أصاب مصادر المياه وبحيث أن منظمة الأمم المتحدة التي لم تحسم بالتشاور أموراً إنسانية كثيرة التعقيد، إستخلصت من عشرات الإستطلاعات والتقارير أن رُبع سكان العالم يفتقرون لمياه صالحة للشرب بشكل آمن، وتندرج الأزمة هذه وبنِسب متفاوتة على دول نهرية مثْل لبنان وسوريا والعراق والسودان وصولاً إلى المغرب وبالذات مِن هذه الدول مَن أنفق الكثير على بناء السدود لكن الجفاف المَطري كان أشد قسوة وبحيث أن هذه السدود لم تعد تروي بما فيه الكفاية. وفي بعض الدول النهرية مثْل لبنان المنعَم عليه مِن رب العالمين بخمسة أنهر باتت المياه تجارة تباع مثل النفط والمازوت.. والأدوية، لأن هذه الأنهر إما ملوثة وإما مصادَرة من إسرائيل.
لمجرد أن بدأت المعلومات وأرقام البورصات ترفع بالتدرج السريع نسبة صعود أسعار الذهب، فإن أكثرية الناس من الشمليْن إنشغلت بمصير الرنان، وشمل الإنشغال الحكومات وأثرياء العالم من جهة، وكذلك الناس العاديين. ويوماً بعد آخر إرتفع سعر السبائك كما لم يسبق إرتفاعه بهذه النسبة من الثمن. هنا بات الشمل الثري يسارع إلى شراء المزيد من السبائك تضاف إلى ما في خزانته الحديدية، وبات الشمل المتوسط الحال يرسم بما يفعله بعض أفراده مشهداً غير مألوف لدى بسطاء الناس الذين رأوا في “هستيريا الذهب” ما يعزز حالهم الورقية. وهكذا باتت المرأة التي تعتز بالسوار الذهبي في معصمها وبسلسال ذهبي في عنقها تسارع إلى بيْع ما كان في المعصم وفي العنق بإعتبار أن سعر الذهب إرتفع بنسبة تسعين في المئة وأن مقابل ما تبيعه ستحصل على كمية لم يسبق أن إمتلكتْها من الدولارات. ونحن هنا نعرض نموذجاً أُنثوياً. أما الجانب الذكوري فكان أكثر حماسة لبيع ليرات ذهبية أورثها الأجداد للأبناء على أن يرثها الأحفاد من بعدهم.
لم تقتصر “هستيريا الذهب” على جماعات دون غيرها في العالم، ذلك أنها أصابت الشمل البسيط الحال في الدول المتقدمة، بل حتى في الولايات المتحدة التي تسببت الإجراءات الحكومية بأن عشرات ألوف الموظفين من نساء ورجال تعاملوا مع الحجْب المالي عنهم بما أوجب إنخراطهم في “هستيريا الذهب” يبيعون الخواتم والسلاسل والأساور والعقود مقابل الحصول على الكم الوفير من الدولارات يعالجون بها أحوالهم المعيشية والعائلية إلى أن تقرر الإدارة الأميركية إنهاء ما كانت بدأته علاجاً لميزانية متعثرة. وما تعيشه بريطانيا وفرنسا وبعض دول القارة الأوروبية لم يختلف كثيراً عما الذي يندرج ضِمن “هستيريا الذهب”.
يبقى تساؤل وسْط هذه الأجواء التي قد يبددها فجأة ولدواع طبيعية أو مفتعلة وبحيث يستعيد الذهب أسعاره التي واكب العالم بقطبيْه مفاجاءاتها على مدى الأشهر الخمسة الماضية ولا تزال الحال على ما هي عليه. وأما التساؤل فإنه متى إنصراف الدول العربية أو فلنقل بعضها، إلى إعطاء التنقيب عن الذهب كما الثروات المعدنية الموجودة في باطن أراضي الأمة الإهتمام اللازم. ونقول ذلك على أساس أن الدول الكبرى أو بعضها تعطي هذا الأمر أهمية أكثر بكثير من أهمية بعض الحكومات العربية. ومن دلائل الإهتمامات ما لديها من إفتراضات علمية حول أن الذهب وسائر المعادن الثمينة موجودة في بواطن الأرض العربية وأن الثقة المتوافرة موجودة بالنسبة إلى ما تحت أرض غزة، وهي الدافع الأساسي لدى الرئيس ترمب لإعطاء الإهتمام الذي قد يحوِّل إكتشاف الذهب والمعادن من باطن التربة الغزِية إلى ثروة بأهمية ثروات النفط، وكتلك الثروة المأمولة من السودان بعد أن تسكت المدافع وتنخرط دول المنطقة في ما يجوز إعتباره مرحلة إنتقال منطقة الشرق الأوسط من الإقتتال والصراعات إلى “شرق أوسط متقاعد” وبما يستعاد الجانب المضيء من هذا الشرق، ولا تعود “هستيريا الذهب” التي تتواصل فصولاً على ما هي عليه وما قد تصبح أعظم. ثم صبراً بعد صبْر تعود الأقراط والسلاسل والأساور إلى النساء التي بعدما باعتْها شعرت بأن أنوثتها باتت تفتقد إلى ما هو موضع الإعتزاز به. والأهم من ذلك إن عودة وعي متدرجة ستحدُث. وكفى الجميع “هستيريا الذهب”.
فؤاد مطر
فؤاد مطر .
.
