خواطر متحفية في زمن التحدي النووي

نُشرت في صحيفة “الشرق الأوسط”
بتاريخ الثلاثاء 4/11/2025

كانت البهجة تغمر نفوسنا عندما تصْحبُنا مُدرِّسة التاريخ في “أوتوبيس” مستأجَر إلى متحف لبنان في العاصمة بيروت، وأحياناً إلى بلدة جبيل وبلدة بعلبك وبلدات أُخرى حيث هنالك قلاع وآثار لكل منها وقائع تاريخية طالما عمَّقت معارفنا، فضلاً عن أنها زادت الواحد منَّا إنبهاراً بالأقدمين وبالذات “الأجداد الفينقيون” الذين نقلوا التراث عبْر البحر إلى مدن متوسطية. وعندما حدثت حرب السبعينات في لبنان بات المتحف، الذي تحوي الآثار التي فيه من الأعمال المبهرة نحتاً وتجسيماً، مستهدَفاً من “الميليشيات” التي عبثت قتلاً في مناطق من الوطن. وعلى موجات تم ما أمْكن نهْبه من هذه الآثار التي لا تعوَّض وبات الحديث متداوَلاً عن منحوتات معروضة لدى تجار آثار في الخارج وعن لوحات بيعت بأقل من قيمتها الفنية ولكن النهَّابين لا يعنيهم سوى الحصول على بعض المال. لا سامح الله هؤلاء.

بالتدرج بدأ المتحف اللبناني ومعه قلعة بعلبك ومواقع أثرية عدة تأخذ حقها من الصون والرعاية ثم تحويلها إلى مكاسب سياحية وفنية. لكن ما سُرِق لم يُستعَد وما يحطَّم بفعل النقل غير المنظَّم أمكن علاجه. وعندما إرتأى سفير المملكة العربية السعودية الدكتور وليد البخاري إقامة إحتفالية ذكرى اليوم الوطني السعودي في الباحة الملاصقة لمبنى المتحف فإنه كان بذلك يريد إضفاء إهتمام المملكة على لبنان التاريخي إستكمالاً لإهتمام بلبنان المرتبِك سياسياً بين عهد وعهد وهي كثيرة إرتباكاته.

وعندما أوجبت حرب السبعينات بما حوتْه من عمليات خطْف وقتْل على الهوية وإغتيالات وتدمير ما أمكن تدميره لمدينة بيروت والعبث من هذا الحزب أو ذاك.. أو أولئك ولكل “قواته الميلشياتية” المخجلة في مناطق من العاصمة من آثار كانت في طور التنقيب عنها.. عندما أوجبت تلك الحرب الهجرة إلى حيث الأمان فإن الأقدار شاءت أن يكون الإغتراب في باريس. وكانت هذه الإقامة الإضطراية مناسبة لكي يقف جيل الأبناء على ملامح من التاريخ الفرنسي من خلال متحف “اللوفر” الذي أنشأه الأمبراطور نابليون قبْل 222 سنة بغنائم إستولى عليها من متاحف وكنائس وأديرة خلال إجتياحاته دولاً في القارة الأوروبية، مضيفاً إليها آثاراً ومجسمات من نحت مثَّالين ولوحات بريشات رسَّامين عباقرة طالما كان بعضهم يرسم لوحة ويقدِّمها إلى صاحب مقهى مقابِل أن يكون من الرواد والحصول على بعض المال كونهم لا مال لديهم سوى الريشة ويحتاجون إلى ما يسددون أثمان الألوان وإيجار غرفة السكن وزجاجات الخمر على أنواعها. وما لم يغنمه نابليون غَنمه بعض حكام الحُقب اللاحقة، وبالذات في زمن إزدهار شأن الإنتداب الفرنسي على كل من لبنان وسوريا.

وكانت زيارة متحف “اللوفر” تُشعرنا وتُشعر أولادنا بمثل شعورنا في مرحلة التلمذة والزيارات التثقيفية والمعارفية التي كانت تتولاها مُدرَّسة التاريخ والجغرافيا لنا. وكما الحزن إكتنف مشاعرنا إزاء النهب من جانب كبار الشأن في “الميليشيات” اللبنانية لكثير من محتويات المتحف، فإن السرقة التي إستهدفت في زمن إيمانويل ماكرون رئيساً للجمهورية، أشعرتْنا ببعض الحزن كون باحات هذا المتحف وجدرانه وما في الباحات من مجسمات وعلى الجدران من لوحات وفي داخل حواجز زجاجية من عقود ذهبية وماسية جيء ببعضها دون وجه حق من حُقب الوصاية والإستعمار والإنتداب الفرنسي لدول أفريقية تعيش منذ ثلث قرن حقبة إنقلاب العسكر على الحُكم المدني المزكّى من فرنسا، التي كانت قواعدها تحمي وتؤسس لزمن تقطف فيه فرنسا ما في الأرض الأفريقية من معادن أبرزها الذهب ومن نفط وغاز على مساحات رحبة من أراضي القارة. وهذه الغنائم لم تقتصر على نابليون والآخرين الذين إنتدبوا، وإنما شملت أيضاً متاحف لندن على أنواعها التي طالما كانت زيارات الجيليْن (جيل نحن الآباء الذين باتوا أجداداً وجيل الأحفاد هذه المرة بعدما تفرَّق شمل الأبناء في الديار الخليجية الرحبة) لها بحُكم الإقامة الطويلة، يتم بين فصل وآخر وبالذات الفصل الذي تكون فيه برودة الطقس محتمَلة. ولطالما كان ينتابنا شعور وجداني يعود إلى أن هنالك العشرات من الآثار مستولى عليها خلال الوجود البريطاني إنتداباً أو إستعماراً لكل من فلسطين والسودان ومصر. وأما المئات من الآثار الآشورية والبابلية وسائر الذين تعاقبوا في الزمن الإسلامي المزدهر على حضور لافت لهم في التاريخ العراقي، فهذه تولَّى أمر وضْع اليد عليها جنود من المارينز وبرضى بغرض التقاسم، جنرالات عملوا في العراق ما لا يُعمل في زمن إسقاط نظام البعث وتشتيت أقطابه بين مسجونين ومشنوقين. ولقد ظهرت هذه التحف الآثارية المسروقة ومعها مخطوطات وخرائط ورسائل دوََنها الأسلاف الصالحون، في متاجر أميركية مختصة بالآثار. تستعاد هذه الثروة أم تُعتبر غنائم إلى حين يعود العراق قادراً على أن يكون لاعباً حاذقاً في المعادلة الجاري صياغة معالمها للمنطقة.

ويبقى القول إن هذه مجرد خواطر متحفية في زمن السطو المتدرج السُبل للمتاحف، وأحدث سطوة كانت في زمن الأمن المتطور لمتحف “اللوفر”. كما أن هذه الخواطر متلازمة مع أجواء التحدي النووي بين روسيا البوتينية ودونالد ترمب الذي أدخل على الشكل المتحفي حالة جديدة تتمثل في أنه زيَّن جدران قاعة في البيت الأبيض بصوَر الرؤساء الذين تعاقبوا على ترؤس البيت الأبيض من الأول جورج واشنطن إلى السابع والأربعين دونالد ترمب حاذفاً، مع أن ذلك ليس من أصول الفعل التوثيقي والتاريخي، صورة الرئيس السلَف جو بايدن الذي كلما أتى على ذِكْره ينعته بأوصاف مهينة، ومستبدلاً صورة الرئيس باراك أوباما بصورة له (أي ترمب) وهو رافع قبضة يمناه متحدياً محاولة إغتياله أيام جولته الإنتخابية مقارعاً الرئيس بايدن.

حمى الله سائر متاحف العالم من صولات وجولات عمليات السرقة المتأثرة بأفلام هوليوودية وإبتكارات من وحي الذكاء الإصطناعي.

فؤاد مطر .

.