مِن محاسن التجاور أن الرئيس سليم الحص الذي نال القليل من الكثير الذي يستحقه (تسمية شارع سكناه بإسمه) إختار طبقة من المبنى لتكون مقر سكناه ومكتبه غير عابىء بالمقر الرئاسي الذي يليق بمنصب رئيس الحكومة كما مقر رئيس مجلس النواب. وأما مقر رئيس الجمهورية فإنه حُكْماً القصر الجمهوري سكناً ومكاتب.
هذا التجاور له سكناً في المبنى نفسه أفادني في أن أقف على أسلوب الرئيس الحص مع قضايا متشابكة يعيشها الحُكْم في لبنان وتحديداً في زمن رئاسة الياس سركيس للجمهورية (من 23 سبتمبر1976 إلى 22 سبتمبر 1982) وإختياره سليم الحص دون غيره من الشخصيات السياسية الإسلامية مفتتحاً بذلك ظاهرة ترئيس شخصيات ذات مواصفات أمنية ودبلوماسية على نحو ما حدَث لاحقاً تكليف القانوني الدولي نوَّاف سلام رئيساً لأول حكومة في عهد لبنان الجديد المتجدد وبرئاسة الجنرال قائد الجيش جوزف عون خامس رؤساء الجنرالات الرؤساء بعد فؤاد شهاب وإميل لحود وميشال سليمان وميشال عون. وما جعل إلياس سركيس يختار سليم الحص لترؤس الحكومة أن كليهما من خلفية مصرفية (الياس سركيس شغل منصب حاكم المصرف المركزي والحص ترأس لجنة الرقابة على المصارف) أدرى بحقائق الوضع المالي للدولة وللمصارف وحتى للمكتنزين ملايين وبعضهم بفعل الشأن الحزبي والسياسي والولائي.
كثيرة هي الوقائع التي كان يأتي الرئيس الحص – وهو هنا بات رئيساً سابقاً – في لقاءات أسبوعية أحرص على حضورها بدافع التحية من جهة، وللوقوف على وقائع وخفايا أزمات عاشها، وبات ما دام من المتقاعدين له حق الكلام حولها في مجلسه الصباحي مع النخبة من أصدقاء حريصين على ديمومة العلاقة الوثيقة معه ليس لأنه كرئيس حكومة يسَّر لهم أمر خدمات نوعية على نحو ما هو معروف في عالم الحكومات والرعاية. وفي عزوفه عن تيسير الخدمات له مقولة «إن المسؤول يبقى قوياً إلى أن يُطلب أمراً لنفسه» ثم إعتمد جوهر المقولة مع طالبي خدمة يؤديها ما دامت مطْلب حق أو إنصاف ظُلم.
من ذكريات الرئيس سليم الحص التي سمعتُها كما حاضري بعض مجالسه واقعة تنطبق مع حالات عاشها لبنان الدولة في تعاطيه مع «حزب الله» حدثت قبْل 46 سنة وتتمثل في أن منظمة أنشأها الشيخ محمد منتظري نجل «آية الله منتظري» أحد كبار رجال الدين في طهران أعلنت أن وحدة تتكون من ألف متطوع “ستغادر إيران بعد أربعة أيام متجهة إلى جنوب لبنان لمقاتلة الصهيونية والإمبريالية” وزيادة في التأكيد عقد منتظري الإبن بعد خمسة أيام مؤتمراً صحافياً في طهران شرح فيه خطته الأمر الذي حمل رئيس الحكومة سليم الحص على القول في تصريح «إن الحكومة اللبنانية ترفض دخول أي مقاتلين من إيران أو مِن أي مصدر آخر ونحن نعمل كل ما في وسْعنا للحؤول دون حصول شيء من ذلك». للواقعة بقية إجراءات ومفاجاءات مثْل أن الشيخ محمد قائد المتطوعين حضر إلى بيروت خلسة ليوم واحد وغادرها بعد مبيت ليلة في رحاب «حزب الله». الخطوة التي إتخذها سليم الحص حذا حذوه فيها رئيس الحكومة الحالي نوَّاف سلام إزاء واقعة وضْع صورة كل من السيد حسن نصرالله والسيد هاشم صفي الدين على صخرة الروشة بمناسبة ذكر إستُشهادهما.
مِن ذكريات الرئيس سليم الحص، التي كانت مادة في لقاءات الأصدقاء معه بعدما بات رئيساً سابقاً، واقعة زيارة قام بها صباح يوم 14 مارس 1980 كرئيس حكومة إلى مقر بطريركية الروم الأرثوذكس للتشاور مع المعتمد الإكليري غفرائيل الصليبي، وكيف أن المطران غادر الإجتماع بعدما دخل الحاجب وأبلغه أمراً ضرورياً تبيَّن أن مسلحين تجمَّعوا أمام المقر الأرثوذكسي للإحتجاج على وجود رئيس الحكومة المسلم في زيارة للمطران، وأن مغادرة الإجتماع كانت لإبعاد هؤلاء المسلحين ومغادرة الرئيس الحص الكاتم غيظه عن الواقعة، والتي هي حلقة في مسلسل النزاع الطوائفي في لبنان خلال الثمانينات.
ومِن ذكريات الرئيس الحص التي سمعناها منه في مجلسه إثنتان. الأولى عندما هاجم ياسر عرفات (صاحب الشأن زمنذاك في لبنان بحُكْم الأمر الواقع الناصري) وزير الخارجية اللبنانية فؤاد بطرس ولمس بالذي قاله وفي مهرجان خطابي في بيروت، رئيس الجمهورية الياس سركيس “الأمر الذي أوجب على الحكومة التي أترأسها أن أُبدي وبإسم الوزراء الإستياء ليس لجهة مضمون الخطاب فقط وإنما لجهة الأسلوب غير المقبول في مخاطبة الرئاسة الأولى والمسؤولين…”. هنا الإشارة إلى أن الرئيس الحص كان الأكثر تعاطفاً مع الحالة الفلسطينية ومتفهماً ظروف التمدد العرفاتي في القضايا السياسية وكأنما هو من أبناء الوطن. ولكن للتعاطف حدوداً.
تبقى الواقعة الحاضرة في الذاكرة الحصية رغم مرور عقديْن عليها عندما رواها في مجلسه الصباحي وتُشبه في حدوثها وتفاصيلها العمليات التي تقوم بها العصابات. ومما سمعناه يرويه عن تلك الواقعة أنه في ما كان يزور دمشق (زمن حافظ الأسد) مترئساً وفداً حكومياً بلغه من الرئيس الياس سركيس أنه تم خطْف عضو مجلس النواب إدمون رزق المحسوب على حزب الكتائب اللبنانية وأن الغرض من الإختطاف هو مبادلة النائب بعدد من أنصار الرئيس سليمان فرنجية (خامس رؤساء جمهورية لبنان) جرى إحتجازهم من قِبل الميلشيات الكتائبية. اللافت للإنتباه أن إحتجاز النائب اللبناني من قِبَل عناصر لبنانية دام قرابة شهر ومِن دون أن تتمكن أجهزة الدولة من فك أسْره. هذه الحالة ما زالت إلى الآن تتكرر في لبنان المستباح مع تنوع الميليشيات الخاطفة ونوعية المخطوفين وأساليب التصفيات على نحو ما حدَث للصحافي المتجرىء سليم اللوزي والمثقف الشيعي المتجرىء هو الآخر لقمان سليم. وأما بديل الخطف ثم التصفية، أي التفجير الذي لا مثيل لهمجية مرتكبيه فإنه المتمثل بالرئيس رفيق الحريري الذي يذكره الأخيار من اللبنانيين مع شروق شمس كل يوم على نحو إستذكارهم الرئيس سليم الحص الذي لم يكن رمز نهوض تنموي كما الحريري وإنما رمز رجل دولة يعنيه كثيراً أن يقال عنه أنه كان من نسيج ما أحوج لبنان إليه في هذا الزمن.
قبْل أن يرحل وكانت الذاكرة متقدة دوّن القليل من الكثير الذي ليته قاله خصوصاً عن الدور السوري في لبنان وعن الجنوح اللبناني الجزئي نحو التطبيع مع إسرائيل، وإن كان في إجتماع مع رئيس الكتائب الشيخ بيار الجميِّل أبدى رأيه في معرفة الموقف الكتائبي من التعامل مع إسرائيل ومصادر الأسلحة التي يستخدمها كتائبيون ومنها دبابات “سوبر شرمن” الإسرائيلية، “وأن الشيخ بيار ردّ عليَّ بحدة أن أسواق الأسلحة مفتوحة عالمياً وأن حزبه إشترى رشاشات “كلاشينكوف” ذات يوم من الفلسطينيين في مخيم صبرا…”.
وأما التكريم بتسمية الشارع حيث سكنه حتى اليوم الأخير من العمر بإسمه فإنه الرمز للقليل من الكثير الذي يستحقه. فقد كان رجل دولة بمنصب رئيس حكومة كل اللبنانيين وليس فقط الطائفة التي هو منها. وهذا المنحى نعيشه في بعض حكومات تلت حكومة الرئيس سليم الحص. وخير ما يمكن التوصيف له إنه رئيس خارج المألوف في الحياة السياسية اللبنانية.
الخميس 9/10/2025
:
