نُشرت في صحيفة “الشرق الأوسط”
بتاريخ الإثنين 22 /9 / 2025
سجلت القمتان العربية – الإسلامية الإستثنائية والقمة الخليجية المنعقدتان في المكان واليوم نفسه في الدوحة عاصمة قطَر وقفة الأخ مع أخيه الذي أصيب بمكروه عدواني تنوَّع توصيف بعض القادة المشاركين له بأنه “غادر. ماكر. سافر”، وذهب بعض القادة إلى القول “إن ما تفعله إسرائيل يقوِّض القانون الدولي” ويعرقل على حد قول الرئيس عبدالفتاح السيسي “أي فُرص لإبرام معاهدات سلام مع إسرائيل” وقول الملك عبدالله الثاني “إن المجتمع الدولي سمح لإسرائيل بأن تكون فوق القانون”.
إلاَّ أن هذه التوصيفات بقيت ضِمن أصول التعامل بمسؤولية لجهة التلفظ ولجهة صياغة القرارات. ورغم فوران الشعور بالغضب لدى بعض القادة المشاركين في القمة كنوع من مشاركة قَطر صدمة واقعة العدوان عليها سيادة ودوراً يستهدف تفكيك العُقد المستعصية في التسوية المأمولة للمحنة الغزاوية وإرفاق ذلك بالدعوة إلى رفْع مستوى التنسيق العسكري، إلاَّ أن جوهر النوايا كان يروم بالمزيد من السعي لدى الدول الكبرى وبالذات الدول الحاضنة إسرائيل منذ إعلان إعتراف الرئيس هاري ترومان بالدولة المحتلة ومسايرة الرئيس دونالد ترمب للحُكم الإسرائيلي وإلى درجة قبول إعترافات نتنياهو العدوانية المستمرة، للمساعدة على إفساح مجال الأخذ بصيغة التسوية حقاً وأرضاً لكلا الشعبين الفلسطيني العربي بجناحيْه الإسلامي والمسيحي وكذلك للشعب اليهودي الذي إستوطن دون وجه حق فلسطين. وهذه الصيغة ما كانت لتأخذ طريقها واثقة الخطى إلى الأمم المتحدة والتصويت المبهرعلى الإعتراف ﺑ “الدولة الفلسطينية” لولا لسعي الذي قام به بعقلية المستنير ورجل الدولة المتبصر الثنائي ولي العهد السعودي رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان ورئيس الجمهورية الفرنسية ايمانويل ماكرون.
كان هنالك تصوُّر بأنه ما دامت القمة العربية – الإسلامية إستثنائية وفي ضوء عدوان إستهدف دولة لا تناصب إسرائيل عداوة مَن هي إحتُلت أرضه على نحو ما هي عليه الحال مع كل من لبنان وسوريا التي ليس فقط تحتل ارضاً فيهما وإنما تعتدي حيث تشاء، فإن قادة الأمتين سيرجحون خيار المواجهة على غير ما هو مألوف إتخاذه في القمم العربية والإسلامية العادية منها والإستثنائية منذ القمة العربية الأولى في انشاص (1946) وما تلاها من قمم عادية وإستثنائية إتسم التوجه عموماً فيها بالحرص على الحل المتوازن للصراع العربي – الإسرائيلي بحيث لا يعود المطلْب الثوري الفلسطيني “من البحر إلى النهر” هو الثابت، كما لا يأخذ المطلْب النتنياهوي المستحدَث ونعني بذلك “إسرائيل الكبرى” فرصة القبول الدولي النسبي به.
وعندما وضعت قمم عربية – دولية متمثلة بتلك التي إعتمدها ولي العهد السعودي نهجاً متوازناً والمنسجمة كامل الإنسجام مع التوجه الذي يرى أن خيار العدوان الإسرائيلي إلى ساعة فيما خيار الحل الذي يحقق التسوية الموضوعية إلى قيام الساعة، باتت حال المواجهة بالسياسة كثيرة الإختلاف عما سبقها من مداولات. وما حفلت به القمة العربية – الإسلامية ثم قمة دول مجلس التعاون الخليجي في قَطر يوميْ 15 و 16 سبتمبر/ أيلول 2025 من مشاورات وقرارات وتصريحات غير صارخة لم تكن فقط مجرد وقفة نخوية مع دولة شقيقة إعتُدي على سيادتها وصفاء نواياها وعلى سعيها من أجْل التوصل مع الدولة الكبرى مصر والسند السعودي المؤثر إقليمياً ودولياً لإيجاد حل أكثر تقدماً من ذي قبْل للصراع العربي – الإسرائيلي، وإنما فِعْل رؤية إكتسبت صلابة بثنائية التوافُق النسبي حول ذلك وهو توافُق ما كان ليتحقق قبْل التجاوب المتدرج من جانب الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون مع ما سعى إليه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وبذلك بدا المشهد يكتسب ملامح إنسجام مع السعي العربي الموضوعي لترويض متدرج للصراع. وهذا بدا ملموساً في القمم السعودية – الإسلامية – الخليجية – الأميركية في الرياض وما سبقها وكذلك ما تلاها من قمم سعودية – صينية وسعودية – روسية وسعودية – فرنسية، وهي قمم كانت الدبلوماسية السعودية تنشط لإبقاء ما جرى التوافق في شأنه بالنسبة للصراع العربي – الإسرائيلي حاضراً في “الأجندة” الدولية ثم يأتي قطاف تلك القمم والمساعي المتواصلة وبعيداً عن التصريحات بمفردات شعبوية، متمثلاً في التصويت الإيجابي في الأمم المتحدة على الإعتراف بضرورة قيام دولة فلسطينية. وليس مستبعَداً أن يكون هذا المردود العملي والهادىء هو الذي دفع بالتوجه البنياميني إلى مواصلة إشعال الأرض الغزاوية ناراً وتجويعاً وتهجيراً ويبلغ بنتنياهو الإحساس بأن ورقة “إسرائيل الكبرى” مرشحة للتطاير أمام هذا التوجه العربي اللافت نحو التمسك بالسلام، فيقترف إثم غارة جوية على دولة قَطر وهو تصرُّف الفاقد قدرة على التوازن الذي زاد فقدانه في أنه بينما قادة الأمتين يعقدون قمتهم غير العادية ويعقد قادة دول الخليج قمة موازية كان عوض التصرف بنسبة من التبصر فلا يكون يوم إنعقاد القمة في الدوحة المعتدى عليها منه يوم تدمير أحد الأبراج في غزة وتصعيد الغارات قصفاً لا رادع له لبيوت وخيام غير عابىء بأرواح أطفال ونساء ومسنين وآباء وأمهات تحت الأنقاض.
يبقى القول إن إنتهاج القمتين وإستباقاً من قادة 52 دولة عربية لبدء أعمال الدورة السنوية أعطى دفعة قوية للنهج الذي يستهدف إحلال السلام بدل الإحتراب والإنقسام والعداوات على أنواعها. ولقد إفترض البعض قبْل أن تبدأ القمتان في الدوحة التشاور في الإنتقال من ضفاف التسويات السلمية إلى ما هو أكثر من التحديات اللفظية ما دامت إسرائيل على إمتهان العدوان غير عابئة بالقوانين والإتفاقيات والتعاهدات، أن ما سيصدر عن القمة من قرارات هو أشد عزماً وحزماً من تلك التي تم إصدارها. ولكن ثمة حالة غير محسومة وهي أن عدم الأخذ بخيار المواجهة هو ورقة برسم الإدارة الأميركية التي باتت وإن هي لم تعلن ذلك على الملأ، كثيرة الإنزعاج من السلوك الإسرائيلي وهو سلوك لا بد أن ينحسر عندما تتخذ هذه الإدارة موقفاً في ضوء وقفات تؤكد لدى قادة الأمتين ومعهم الشعوب ومجتمعات أممية كثيرة أن ما تقوم به إسرائيل منذ ثلاث سنوات من إعتداءات لن يحقق للتطلعات الإسرائيلية مبتغاها، وأن الموقف من الإدارة الأميركية يتجاوز العتب بكثير، وهو عتب يمكن إنحساره إذا كانت مندوبة الولايات المتحدة في مجلس الأمن وخلال إنعقاد الدورة السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة بعد أيام لن ترفع ورقة “الفيتو” والتي من شأن عدم رفْعها عند الإقرار ﺑ “صيغة الدولتين” جعْل الإرعاب الإسرائيلي يطوي الإمتهان.
.. وبهذا يكون مضمون القمتين في الدوحة لجهة النُصح المستديم والتحذير المستجَد هو السعي إلى حين قيام ساعة “فلسطين الدولة”.
فؤاد مطر .
.
