إعادة النظر لتلافي الندبة

نُشرت في صحيفة “الشرق الأوسط”
بتاريخ الجمعة 12/ 9/ 2025

في الوقت الذي كانت هنالك خطوة مأمولة من جانب الإدارة الأميركية تساعد في إختصار محنة الإبادة والتجويع في غزة، وتسلك التوجهات الأوروبية طريقها آمنة لا يعترضها “فيتو” أميركي يعيد به السعي إنجاز صيغة الدولتين إلى ما قبل المسعى السعودي – الفرنسي.. في الوقت هذا يتخذ الرئيس ترمب قراراً مدعاة للإستغراب إتخاذه ويقضي بمنع الوفد الفلسطيني الذي يشارك كالمعتاد سنوياً في أعمال الدورة العادية للجمعية العامة للأمم المتحدة من دخول الأراضي الأميركية.

مدعاة الإستغراب أن “فلسطين” التي تشارك ماضياً ودائماً ليست “فلسطين حماس” وإنما هي “فلسطين السُلطة الوطنية” والتي بينها وبين السياسة الأميركية أواصر مشاورات لم تصل فيها التباينات إلى حد قطْع التحادث والتزاور وتبادل وجهات النظر والمواقف من خلال مرجعيات عربية مسموعة نصائحها لدى الصديق الأميركي.

وإلى ذلك إن الذي سيشارك في الدورة الآتية قد لا يكون رئيس “السُلطة الوطنية الفلسطينية” والذي سبق أن سجل نقداً مريراً ﻠ “حركة حماس” على خلفية ما نتج عن عملية السابع من أكتوبر 2023 محنة لقطاع غزة البشر والحجر، والذي أرهقته تجوالات من بينها زيارة لبنان التي أثمرت قراراً من جانبه بتسليم السلاح الفلسطيني الذي هو تحت إمرة الرئيس عباس بإعتباره رئيساً أيضاً ﻠ “حركة فتح” حاله في ذلك من حال القطب السياسي الشيعي اللبناني نبيه بري الذي هو رئيس البرلمان اللبناني ورئيس “حركة أمل” في الوقت كما بات المرجعية السياسية للحركة التي يترأسها وبنسبة ملحوظة ﻟ “حزب الله”. وتلك في أي حال ظاهرة غير حاصلة في الأنظمة عموماً في العالم الثالث.

أما مَن ربما سيترأس وفد فلسطين إلى إجتماعات الدورة السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة أو يشارك الرئيس عباس، فإنه محمد مصطفى الذي لا بد يرتاح أهل القرار الأميركي – الأوروبي إليه كونه يأتي إلى الترؤس من خلفية إقتصادية وليست نضالية كما لو جاز الإفتراض حال مروان البرغوثي المرشح لأن يكون ذات لحظة إستعادة الوعي الدولي “مانديلا الفلسطيني” بعد فك سجْنه عقديْن من الزمن. وبالنسبة إلى رئيس الحكومة محمد مصطفى فإنه خريج “جامعة جورج واشنطن” كمهندس كهربائي وإلكتروني ثم حاصلاً من الجامعة نفسها على دكتوراه في إدارة الأعمال والإقتصاد، إلى جانب إصباحه أستاذاً زائراً في الجامعة نفسها. وأما توظيف ما تعلَّمه في الرحاب الأميركية وكذلك ما علَّمه  كأستاذ زائر، فكان في رحاب مؤسسات في دول الخليج وبشكل خاص في المملكة العربية السعودية والكويت على مدى سنوات تزكيها الخبرة الناشئة عن الدراسة والتعليم في الجامعة التي تحمل إسم مؤسس الدولة العظمى. وهذه المزايا هي أفضل ما تحتاجه تأشيرة دخول الولايات المتحدة، في حال كان هو من سيمثِّل “السُلطة الوطنية الفلسطينية” أو إلى جانب الرئيس عباس في حال إرتأى أن يحضر هذه الدورة بالذات.

وثمة وقفة تساؤلات حول مسألة المشاركة في الدورة السنوية العادية للجمعية العامة للأمم المتحدة، وهي أن نيويورك عند إنعقاد هذه الدورة تصبح “مدينة محايدة” طوال الشهر الذي يستغرقه إنعقاد الجمعية وإلقاء كل من رؤساء الوفود الكلمة التي تركز عادة على حال الوطن الذي يمثِّله، أي بما معناه إن منْع هذا الوفد أو ذاك أو أولئك غير جائز إلاَّ إذا كانت هناك تحفظات مشروعة توجب المنع. عدا ذلك لا يعود من الطبيعي توظيف المناسبة لإلحاق أذية معنوية بوفد بحيث لا يُسمح له بالدخول. ومثْل هذا المنع يسيء لمتخذه ويزيده إساءة إنه لمجرد الإعلان عن منْع الدخول الفلسطيني فإن وزارة الخارجية الإسرائيلية سارعت إلى تسجيل الشكر للرئيس ترمب على ما فعل.

ويبقى أن المنع الذي نشير إليه والذي ليس في قانون الجمعية العامة ما يجيزه، يجعلنا نستحضر تلك الواقعة المتمثلة بالقرار الذي إتخذتْه القمة العربية التي إستُضيفت في بغداد يوم 2 نوفمبر/ تشرين الثاني 1979 ومارس فيها الرئيس صدَّام حسين من الضغوط والإحراج للقادة المشاركين ما جعلهم يوافقون على ما يطالب به وهو إتخاذ القرار  بتجميد عضوية مصر في الجامعة العربية ونقْل مقر الجامعة بشكل مؤقت إلى تونس، وذلك رداً على زيارة الرئيس أنور السادات إلى القدس (السبت 19 نوفمبر/ تشرين الثاني 1979) مصادفة عشية عيد الأضحى وإلقائه خطاباً في “الكنيست” في اليوم التالي بعدما أدى الصلاة في المسجد الأقصى وزار كنيسة القيامة، ثم إتباع ذلك بتوقيعه وتوقيع مناحيم بيغن رئيس وزراء إسرائيل وتوقيع الشاهد والمضيف الرئيس جيمي كارتر (الجميع باتوا في ذمة الله والتاريخ) والقضية عالقة بين طرفيْ حبل فولاذي يمسكهما الرئيس ترمب بقبضة من المواقف الصلبة ونتنياهو بقبضة من العدوان المتنوعة أساليب التدمير والتجويع فيه.

وكما ليس في ميثاق تأسيس الجامعة العربية ما ينص على تجميد عضوية كما أن المقر أمر متعارف عليه ومن أجْل ذلك حدث إرتباك عربي لاحقاً سرعان ما أمكن علاجه بإستعادة مصر العضوية ومقر الأمانة، فإنه تبعاً لأصول إنعقاد الدورة السنوية العادية للجمعية العامة للأمم المتحدة، سيكون منْع دخول وفد فلسطيني ندبة في تاريخ جمعية أمم العالم كتلك الندبة في تاريخ جامعة دول الأمة العربية بدءاً بلبنان وصولاً إلى جيبوتي.

… إلاَّ إذا أعاد الرئيس ترمب النظر إنسجاماً مع إعادات في قرارات إتخذها وقرارات ربما يتخذها. وعندها تشق صيغة الدولتيْن الطريق آمنة ويهنأ البال السعودي – الفرنسي الذي أضفى حيوية لوضع الصيغة موضع البدء بالتنفيذ. والله المعين.

فؤاد مطر .

.