الإحتفالية الصينية… والأمثولة اللبنانية

نُشرت في صحيفة “الشرق الأوسط”
بتاريخ الأحد 7 /9 /2025

على مدى سنتين من الإنشغال العربي بالمستجدات من تداعيات حرب إسرائيل نتنياهو، المستهدِفة إعادة فرصة تسوية موضوعية للصراع العربي – الإسرائيلي إلى نقطة الصفر بعدما كان السعي العربي عموماً والمتسم برؤى تحقق الإستقرار في المنطقة أثمر إستقطاباً أوروبياً لافتاً من خلال مواقف متدرجة لبعض الدول، ومن خلال رأي عام أوروبي حرّكت إقترفات إسرائيل نتنياهو من حيث التدمير والتجويع والتهجير.. على مدى هاتين السنتين كانت الأنظار العربية من جانب أهل القرار وكذلك من جانب الرأي العام عموماً تترقب مواقف أصدقاء دوليين من شأن تنفيذ مضامين بعض الآمال المعلّقة على خطوات يتخذونها إحداث صحوة دولية. وبعدما طال أمد الترقب جاءت إحتفالية الصين يوم الأربعاء 3 سبتمبر/أيلول 2025 تشكِّل ملامح إجابة عما يمكن أن يحققه الصديق الصيني – الروسي من ثقل كفتيْ الميزان تتساويان في الحد العادل وبأمل أن يحقق العرض العسكري الصاروخي الأرضي والعرض الجوي المتطور كما لم يتوقع الجمع الأطلسي هذا التطور موقفاً من هذا التساوي بمعنى أن لغة التخاطب ستأخذ في الإعتبار  المشهد المستجد وغير المألوف وبمعنى أن الكون النووي إثنان متساويان وليس أحادياً أي إخضاع طرف لآخر، كما ألاَّ يستأثر الغرب برسم السياسات والمصائر وعدم إعتماد الحلول الموضوعية والعادلة للقضايا المستعصية نتيجة غياب ثاني الكون النووي والمقتدر عن المشهد، وهو غياب حدث نوع من بداية الغروب له في ضوء إحتفالية الصين وإختيارها حليفيْن بالذات لها لإعتبار القدرات النووية والمكانة الإستراتيجية في خارطة العالم وكذلك المكان. وفي عبارة وردت في خطاب الرئيس الصيني محاطاً بضيفيه – شريكيْه النووييْن ما يوجب التأمل دولياً وعربياً وهي “تواجه البشرية اليوم خيار السلام أو الحرب، الحوار أو المواجهة”.

وثمة واقعة تتصل بالإحتفالية  الصينية لمناسبة ثمانينية إستسلام اليابان ونهاية الحرب العالمية الثانية، تستوجب التأمل فيها، كون صاحب الواقعة هو لبنان الذي يكابد منذ أشهر من أجْل أن تستقر حاله حسماً للعدوان الإسرائيلي عليه، وإعتماد الحل المتوازن لموضوع السلاح بحيث يتم حصره في جيش الدولة بعد الإطمئنان بتعهُّد أميركي (كونه الوسيط الأوحد) إلى أن إسرائيل المعتدية إنكفأت وطوت مشروعها التوسعي وبحيث تكون دولة تلتزم الهدوء والسلام والتنمية وتطوي إمتهان العدوان وهذا كان دائم الحدوث بفعل وقوف الغرب الأميركي سلاحاً وتسامحاً لإقترافات حكومتها ثم يأتي التشقق في الموقف الأوروبي ومساندة بعض دول الأطلسي للإعتراف بدولة فلسطينية تجاوباً مع سعي متواصل على مدى سنتين من جانب المملكة العربية السعودية بأمل أن يقوِّي المشهد الصيني _ الروسي _ الكوري من أرجحية التسليم الأممي ﺑ “دولة فلسطينية” ذات سند دولي لها مستجدة ملامحه.

وتفاصيل الواقعة المشار إليها أن البرلمان اللبناني الحديث التشكيل وفي السنة الثالثة من الإستقلال عقد بعد ظهر يوم الثلاثاء 27 فبراير/ شباط 1945 جلسة أجمع النواب فيها على قراريْن لافتيْن. الأول “يوافق المجلس الحكومة على طلبها إعلان لبنان الحرب على دولتيْ المحور، ألمانيا واليابان، إعتباراً من منتصف ليل 27 شباط 1945″. وأما موجبات هذا الإعلان ففي القرار الثاني التوضيحي الآتي:” ولمَّا كان لبنان قد إنتصر لقضية الدول الديمقراطية في نضالها ضد قوى الظلم والطغيان. وكان قد ساهم في المجهود الحربي مساهمة فعلية، ولأقصى حد ممكن، وكان فعلاً بحالة حرب مع دولتيْ المحور واليابان منذ بداية الحرب الحاضرة، وكان قد أعلن رسمياً هذه الحرب. ولمَّا كان من حقه أن يُعتبر في عداد الدول المشتركة في النضال الحاضر، وأن يشترك فعلاً في التنظيم العالمي المقبل بسائر الدول. فالمجلس يقرر تكليف الحكومة القيام بالإتصالات اللازمة لتحقيق هذه الغاية”.

ما جناه لبنان من موقفه المعنوي لأنه ليس في وضع عسكري للمشاركة كان أن وزارة الخارجية الأميركية بعثت بتاريخ 29 مارس/ آذار 1945 بمذكرة إلى الخارجية اللبنانية تضمنت عبارة “إن حكومة الولايات المتحدة بصفتها أمينة على ميثاق الأمم المتحدة تدعو لبنان إلى مؤتمر سان فرنسيسكو وبذلك بات عضواً في الأمم المتحدة”.

وهكذا يكون لبنان في “إعلانه الحرب على المانيا واليابان” ربح العضوية في منظمة الأمم المتحدة. وهو مكسب يتمناه المواطن العربي للأشقاء الفلسطينيين بعد أن يتوحد الصف وتنكفىء إسرائيل بنسبة من التبصر في أن إحتفالية الصين بثمانينية إستسلام اليابان ومن دون أن تكون في حالة حرب مع اليابان الجديدة، توجب عليها طي الخارطة البنيامينية وإعتماد الهداية التي تُحقق البقاء الآمن. والأرجح أن سانديها بعد الإحتفالية الصينية – الروسية ليسوا كما حالهم قبْل ذلك. لعل وعسى تثمر الدورة السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة التسوية التي تأخرت كثيراً للإعتراف ﺑ “الدولة الفلسطينية” وبذلك تبدأ مسيرة السلام للجميع.. وليس على الدنيا الفلسطينية السلام بمعناه الإفنائي.

فؤاد مطر

فؤاد مطر .

.