إنجازات مستر توم… وتفجيرات السيد علي

نُشرت في صحيفة “الشرق الأوسط”
بتاريخ الثلاثاء 19 /8/ 2025

حقق المبعوث الأميركي – اللبناني الزحلاوي الأصل المستر توم براك مراميه حيث أن مجلس الوزراء اللبناني وافق يوم الخميس 15 أغسطس/ آب (وفيما درجة الحرارة في لبنان تجاوزت القدرة بكثير على التحمل) على الأهداف الواردة في مقدمة الورقة الأميركية المقدَّمة من المبعوث الأميركي إلى لبنان وسوريا وصاحب مقولة “بلاد الشام”، وذلك بعد تعديلات أدخلها الطيف المتحمس لها من مجلس الوزراء بدءاً بالرئيسيْن جوزف عون والدكتور نواف سلام ووزير الخارجية وكذلك وزير الدفاع، وكانت منقوصة الموافقة من جانب وزراء “حزب الله” الذين مع الأسف إنسحبوا من الجلسة، مع أن المألوف في الإجتماعات الحكومية هو الحضور وإبداء الإعتراض أو الموافقة أو التحفظ من باب ترْك الباب مفتوحاً، إنما ليس “الحرَد” على نحو ما تفعله الزوجات المحتجات الغاضبات من الأزواج فيلجأن إلى بيت الأهل حَريدات. وأما مستر توم الفائز بموافقة مجلس الوزراء غير المكتمل الحضور والتصويت – وإن كان ذلك لا يعطل إصدار القرار – فإنه أشاد بالرئيسيْن الصامديْن من أجْل إستصدار الموافقة مهنئاً لبنان من خلال قوله: “إن قرارات مجلس الوزراء (الموافَق عليها تطْلق أخيراً مسار أمة واحدة. جيش واحد في لبنان. لقد بدأ لبنان عملياً التنفيذ الكامل لإتفاق وقْف النار المبرَم في تشرين الثاني 2024 والقرار 1701 وإتفاق الطائف، وإن الولايات المتحدة تقف إلى جانب الشعب اللبناني…”.

وإستكمالاً لرؤية مستر توم يعزز رئيس الجمهورية الموقف الحكومي بترداد القول “إن الدولة ماضية في تحقيق حصرية السلاح بيد المؤسسات الشرعية…”.

كأنما الرئيس جوزف عون يتطلع إلى أن تكون مشاركته الأولى (بعد إنتخابه) في الدورة الآتية للجمعية العامة للأمم المتحدة، مشاركة الرئيس الذي في نهاية الأشهر الأربعة الأولى لترؤسه، يحسم لبنان المسألة الأكثر تعقيداً في المسيرة السياسية وهي سلاح “حزب الله” المطلوب أميركياً وإسرائيلياً بإلحاح كثير الحدة نزْعه. أما كيف يمكن حدوث ذلك فيما الممتلك متمسك بما حققه السلاح من دور له في الشأن الداخلي وفي الصراع الحدودي – الإسرائيلي. وفي الورقة الأميركية الذي طًلب من لبنان التوقيع عليها ومن دون أي مجال للمناقشة في تداعيات ما يمكن حدوثه عند تنفيذ الطلب أو قبل ذلك ما يجعل صاحب السلاح يتمسك بمخزونه المترامي المواقع من الجنوب إلى الديار البعلبكية حيث تحاكي المهرجانات الطربية في قلعتها مخازن الصواريخ والذخيرة في هضاب قراها.  وثمة خشية من أن ترتبك الأمور في ضوء السجالات بين المرجعية الإيرانية الأمنية التي زارت لبنان وبين الركن الدبلوماسي كأن يقول الزائر الإيراني “لا وقت لديه لزيارة وزير الخارجية”، ويرُد الوزير “حتى لو لديَّ وقت لن أستقبله”. وكانت نسبة الحصافة في تبادُل التعليقات من كلا الجانبيْن قليلة.

ثم إن حدة التلاسن عموماً في موقف الطيف اللبناني الإيراني الهوى والإلتزام كان من المتيسر عدم إستخدامها لو أن الرئيس جوزف عون شمل بتجولاته في دول الإقليم زيارة طهران وأوضح للمرشد ما لا يوضحه آخرون، فضلاً عن أن جزيرة قبرص التي زارها ليست أكثر حاجة للبنان من “شبه القارة” إيران. ونفترض أن التحادث مع المرشد علي خامنئي سيجلي بعض الغمام عن الأمور بحيث تميل إلى التفهم والحرص فلا يتم إيفاد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية مزوَّداً بواجب ينطبق عليه قول الشاعر “جئتَ تطلب ناراً.. أم تُرى تشعل البيت ناراً”.

ونقول ذلك ومن باب الإفتراض أن الزائر الإيراني المرموق شاء من زيارة لبنان شد إزر الطيف المحلق في فضاء المعاناة الإيرانية مع الولايات المتحدة، وأن إستعمال الورقة اللبنانية ربما تجعل الإدارة الأميركية تُلين موقفها التعجيزي إزاء إيران ومعها مواقف أطلسية فاعلة كأن تكون هنالك “الاسكا” أميركية _ إيرانية بمثل الروسية وإن كانت التي إنعقدت لم تُشف الغليل إلى التحدي. لكن النار التي جاء من أجْلها الدكتور علي لاريجاني إنتهت على غير المتوقع. ومن الجائز الإفتراض أن المبعوث الإيراني الذي جاء مستبقاً المبعوث الأميركي، همس في لقائه بالأمين العام ﻟ “حزب الله” الشيخ نعيم قاسم بما جعل شيخ المكون الثالث في المشهد الطائفي الذي يقوم الوطن على أساسه، يحاول في خطاب تعبوي قلْب الطاولة التي عليها تشبيهاً “مزهرية” إتفاق مجلس الوزراء، ويقول بالصوت الأعلى “المقاومة تعطي الشهادة ولا تحتاج شهادات من أحد ولا يمكننا أن نتحدث عن سيادة لبنانية إلاَّ مع ذِكْر المقاومة. الحكومة (التي يترأسها نواف سلام) تنفِّذ الأمر الأميركي – الإسرائيلي بإنهاء المقاومة” خاتماً ما يجعل إشتعال البيت ناراً وارد الإحتمال ما دام القائل “لن تُسلِّم المقاومة سلاحها والإحتلال مستمر وسنخوضها معركة كربلائية إذا لزم الأمر…” إلاَّ إذا كانت الخطة التي ستقدِّمها القيادة العسكرية للجيش اللبناني ستحسم المأزق بحكمة أن لا يصاب الجيش بخيارات حزبية وسياسية، وعلى حتمية أن لبنان المستقر يتقدم على تخريجة اللاغالب ولا المغلوب. رحمة الله على الرئيس صائب سلام.

فؤاد مطر

فؤاد مطر .

.