موعد قريب لوضع الحد

نُشرت في صحيفة “الشرق الأوسط”
بتاريخ السبت 26/ 7/ 2025

بعد 654 يوماً من عدوان إسرائيل نتنياهو تحدُث صحوة أوروبية مهمة نسبياً إزاء محنة غزة وتمثلت ببيان مشترك، قادت السعي له وشاركت فيه إلى جانب بريطانيا 24 دولة أوروبية يندد متأخراً سنتين ﺑ “التوزيع غير المنتظِم للمساعدات”، مشيراً إلى أن ثمانمئة قُتلوا أثناء سعيهم للحصول على المساعدات “وبلغت معاناة المدنيين في غزة مستويات غير مسبوقة”. ويشدد الموقِّعون على بيان اﻟ 25 دولة أوروبية على “معارضة التهجير الدائم الذي هو إنتهاك للقانون الإنساني الدولي، وكذلك معارضة أي خطوات للتغيير الجغرافي أو الديمغرافي…”.

بيان في منتهى المراعاة والدبلوماسية الواخذة لإسرائيل والإحساس في الوقت نفسه بالتقصير إزاء الذي ترتكبه إسرائيل نتنياهو في غزة. وبدل أن يكون هنالك نوع من التبصر الإسرائيلي والأخذ في الإعتبار أن البيان المتأخر الإصدار وبما حواه إنما جرى التحادث حوله بين الدول التي، وهنا الدافع إلى إصداره، شهدت وما زالت تظاهرات تتزايد أعداداً تظاهرة تلو أُخرى الدافع إلى القيام بها، هو هذه المشاهد المرعبة التي تبثها الفضائيات عما يجري في غزة، فإن التدمير تواصل كما التجويع كما التهجير وأكثر المشاهد إيلاماً عجز المستشفيات عن تقديم العلاج والدواء، ومشهد لف مئات الجثامين بالأغطية والصلاة عليها ثم دفْنها بعد التعرف على بعض الضحايا، يلي ذلك مشهد الجموع المتكوِّمة من كبار وصغار ونساء يحملون الأواني البلاستيكية بأمل الحصول على بعض الطعام الذي هو عموماً طحين مع الماء أو حبوب مع الماء. ولذا فمن الطبيعي أن تحدُث المشاهد التي بثتها الفضائيات لأطفال وفتية وفتيات باتوا شبه هياكل عظمية من ندرة الطعام والدواء. وكذلك وفاة عشرات الأطفال الذين كانت أمهاتهم ترضعهم قليل الحليب مع كثير الماء.

مِن هنا إن مهمة الدول التي أصدرت بيانها تحت تأثير صحوة ضميرية مقرونة بإحترام عشرات الألوف الذين تظاهروا في عواصم ومدن أوروبية، تفعيل صحوتها هذه كي لا يبدو الموقف الذي أصدرتْه هو الحد الأقصى مما يمكن تسجيله بأمل وضْع نهاية للإبادة والتجويع والتدمير. ولدى هذه الدول اﻟ 25 كما لدى دول عربية وإسلامية الكثير من أوراق التأثير. ومِن هنا يتساءل المرء: وماذا بعد وأين تفاعلكم.

ثم إن أمر العدوان الإسرائيلي لا يقتصر على غزة وإنما على المؤسسات الإسلامية والمسيحية وبالذات المسجد الأقصى، ولنا في الذي قاله يوم الأحد 20 يوليو/ تموز 2025 مفتي القدس والديار الفلسطينية الشيخ محمد أحمد حسين ما يوجب إتخاذ وقفة حيث يقول “إن تحديات خطيرة تمس المقدسات ولا تقتصر على الأقصى فقط بل تطال أيضاً الكنائس والمقدسات المسيحية مما يشكِّل خطراً كبيراً على الهوية الدينية والوطنية للقدس وفلسطين…”.

في نهاية المطاف تبقى المحكمة الجنائية الدولية هي المرجعية التي تحسم بالقانون أمر هذا الطغيان العدواني الإسرائيلي، إنما بعد رفْع قبضة الرئيس ترمب عن هذه المحكمة ممالاءة لإسرائيل، مع أن من شأن ترْك المحكمة تمارس صلاحياتها إتاحة المجال أمام وضْع حد بأمل نهاية لهذا العبث البنياميني في بعض مناطق الأمة. وهذا كان مأمولاً حدوثه لو أن الإدارة الأميركية وحليفاتها الأطلسيات إحترموا إجراءات المحكمة الدولية أو في الحد الأدنى لم يمارسوا الضغط على قوانين تلك المحكمة بغرض إسترضاء إسرائيل. وهذا الإسترضاء من جانب الرئيس ترمب والتسليم بذلك إضطراراً وليس إختياراً من دول الغرب عموماً، يقلل من هيبة قادة هذه الدول في نظر المواطن العربي من لبنان إلى سوريا إلى الأردن إلى العراق ففلسطين إلى مصر والسودان فإلى دول مجلس التعاون الخليجي ودول الجناح المغاربي من الأمة الجزائر وتونس والمغرب وليبيا وموريتانيا.

في ضوء البعض القليل الذي أوردناه من الكثير الذي ما زالت تمارسه إسرائيل نتنياهو وأكثره إستهانة بالمجتمع الدولي أن أكثرية البرلمان الإسرائيلي صوَّتوا على رفض إقامة دولة فلسطينية.. هذا إلى جانب ما سبق إقترافه من أفعال إستفزازية في حق المسجد الأقصى والإكثار من إقامة مستوطنات تطوق المناطق التابعة للسُلطة الفلسطينية ولمناطق خارج نطاق السُلطة يعيش فيها فلسطينيون. وهنا يوجب التذكير بأن هنالك قرارات دولية مصدَّق عليها تدحض هذه الإقترافات جملة وتفصيلاً. كما أن ما يتعلق ﺑ “الدولة الفلسطينية” فإنه أمر متفق من حيث المبدأ عليه دولياً بل حتى هنالك دول أوروبية وأميركية لاتينية وأفريقية وأسيوية حسمت إلى حد ما أمر الإعتراف بالدولة، فضلاً عن أن هنالك عشرات التصريحات لرؤساء أميركيين وأوروبيين ترى، وإن بمفردات خجولة في تصريحات بعض هؤلاء الرؤساء، أن لا حل إلاَّ ﺑ “دولة فلسطينية” يحسم إنشاؤها ظاهرة ملامح الدولة المتمثلة ﺑ “السُلطة الوطنية الفلسطينية”. وبالحسم الدولي الشامل ﻟ “الدولة الفلسطينية” لا تعود الورقة الثورية مبررة ويغادر الشعب الفلسطيني ظُلْم ثلاثة أرباع قرن من إستلاب الحق الطبيعي كما عندها وداعاً للسلاح.

هل ثمة بعض الأمل في الدورة المقبلة للجمعية العمومية للأمم المتحدة؟ والباعث عن التفاؤل بالخير ربما يوجد أن الرئيس الفرنسي ماكرون أعلن الخميس 24 يوليو 2025 في رسالة إلى الرئيس محمود عباس أن فرنسا ستعترف رسمياً بدولة فلسطينية خلال إجتماعات الجمعية… وبذلك يوضع المؤجَّل خطوة خطوات على طريق الإستحقاق؟ لعل وعسى.

فؤاد مطر .

.