نُشرت في صحيفة “الشرق الأوسط”
بتاريخ السبت 12/ 7/ 2025
كان بشارة الخوري أول الرؤساء اللبنانيين الذين زاروا سوريا. فهو شارك في القمة التي إستضافها الملك فاروق (29 -30 مايو/ أيار 1946) في “إنشاص” وشارك فيها أيضاً الرئيس السوري شكري القوتلي والملك عبدالله ملك شرق الأردن والأمير سعود ولي عهد المملكة العربية السعودية (نيابة عن والده الملك عبدالعزيز) وسيف الإسلام عبدالله نجل الإمام يحي ملك اليمن. وما يلفت الإنتباه دلالة على الإنسجام اللبناني – السوري زمنذاك أن الرئيس بشارة الخوري وكان وصل إلى “إنشاص” توجَّه برفقة جميل مردم بك (وزير سوريا المفوض لدى مصر) إلى مطار “إنشاص” لإستقبال الرئيس شكري القوتلي الآتي في طائرة عسكرية مصرية أقلَّته من القاهرة. وفي مذكراته يكتب بشارة الخوري عن أجواء المحادثاث في الجلستيْن اللتيْن عقدهما القادة “كنتُ أنا وشكري بك القوتلي كأننا شخص واحد، تفكيرنا واحد وإتجاهنا واحد. والإنعكاسات واحدة سواء في المفاوضات أم في الإجتماعات الخاصة يستأنس واحدنا بالآخر….”. ويضيف دلالة على الإنسجام في الموقف وذلك عند تحديد ألقاب القادة الموقِّعين على نص المقررات:”مال الملك فاروق إلى أُذن جاره شكري بك القوتلي وهمَس إليه ببضع كلمات همَس بها شكري بك في أذني فوافقتُ عليها بحنْي الرأس، ولم يلبث أن إقترح جاري الرئيس السوري أن يعرَّف الملك فاروق بلقب “ملك مصر والسودان وصاحب النوبة ودارفور وكردفان” فوافق المجتمعون على ذلك. وأُجمع على النص النهائي فدُعي الخطاط الملكي وإستجلبَ رَقاَّ لكتابة المقررات مدبَّجة بماء الذهب…”.
ويشير بشارة الخوري إلى أنه بعد إنتهاء أعمال القمة “وتوجُّهنا أنا وشكري بك إلى المطار في سيارة واحدة وتوديع الملك فاروق لنا ولسائر ضيوفه، رأى من المناسب إطلاع صديقه الرئيس السوري وبحضور الملك فاروق على دعوة تلقَّاها من تركيا ثم يضيف:”أخبرْتهما بقبولي الدعوة مرحِباً بذلك غير أنني لحظتُ في عينيْ شكري بك بارقة تعجُّب وخطرت على بالي مسألة لواء الإسكندرون في لمحة خاطفة. ثم خلوتُ به وقلت له: إذا كنتم ترون من المناسب أن أزوركم في دمشق زيارة رسمية قبْل زيارة تركيا فأنا على إستعداد لها، فرحب الصديق الكبير بالفكرة، وعلى إثر رجوعي إلى لبنان من “إنشاص” تمت زيارة دمشق يوم 8 يونيو/ حزيران 1946. ويصف بشارة الخوري أجواء الزيارة يقوم بها أول رئيس للجمهورية اللبنانية التي باتت كما شقيقتها الجمهورية السورية وقد طُويت صفحة الإنتداب الفرنسي لهما، على النحو الآتي:”كُنا وصلْنا إلى ضاحية دمشق (بعد إستقبالنا رسمياً من جانب رئيس الوزراء سعدالله الجابري) وكان الرئيس شكري بك مع الهيئات الرسمية بإنتظارنا على مسافة أربعة كيلومترات من المدينة، فترجلْتُ وتعانقتُ ومضيفي بينما الجماهير تصفِّق بحرارة والجيش يؤدي التحية والموسيقى تعزف النشيديْن الوطنييْن. ثم كانت الحفلة الكبرى في حديقة القصر الجمهوري التي ظهرت أجمل حُلة من المصابيح الكهربائية والرياحين. في اليوم الثاني وبعدما إستيقظتُ باكراً وتناولتُ الفطور على السطيْحة وطالعتُ المقالات اللطيفة التي كتبتْها صحف دمشق عني وعن لبنان، تبادلتُ الحديث في مقابلة مطولة مع الرئيس السوري عن شؤون كثيرة أولها زيارة تركيا، ولم يُخفِ شكري بك عني أن هذه الزيارة كانت قد ساءت السوريين لو لم تسبقها زيارتي لدمشق، فأجبته أنني قصدْتُ من زيارة دمشق رسمياً إظهار ما يكنه لبنان ورئيسه للشعب الشقيق من محبة وتقدير، قبْل أن أزور تركيا وأضفتُ أن قضية إسكندرون لا تنتهي إلاَّ بتحكيم دولي، وإقترحتُ أن تتبادل سوريا وتركيا التمثيل السياسي وفهمتُ من شكري بك أنه سيتم التبادل بين البلديْن في وقت ليس بالبعيد…”.
ويُنهي الرئيس بشارة الخوري إنطباعاته عن زيارة دمشق بعبارة “كانت الزيارة موفَّقة جداً والغيمة التي خيمت لحظة قصيرة ما لبثت أن تبددت إذ إتضحت نياتنا الطيبة نحو جارتنا العزيزة…”.
بعد هاتين الزيارتين المتبادلتين زيارة الرئيس بشارة الخوري إلى دمشق وقيام الرئيس شكري القوتلي بزيارة بيروت تبدلت الأحوال والمعادلات والوجوه في كلا الدولتين الجارتين الشقيقتين وباتت الزيارات مقتصرة وبما يشبه التحالف من جانب واحد في عهود ثلاثة رؤساء لبنانيين (الياس الهراوي. إميل لحود. ميشال عون).
وأما الآتي من الأيام فإنه على ما يجوز الإفتراض إستعادة متدرجة لما كانت عليه طبيعة العلاقات اللبنانية – السورية وإن إختلف التعبير عن المشاعر تبعاً للمصالح وللمتغيرات الدولية، وعلى قاعدة قائمة على المثل الشعبي المتداول في دول الأمة وهو: يا جاري أنت بحالك وأنا بحالي.
وهذا المَثل هو بمثابة مفتاح الأبواب الموصدة أمام الطمأنينة للشعب ولمن يحكمه. وأمام إعادة بناء ما جرى تدميره في غمضة أعين طالت كثيراً عن التبصر في أهمية إعتبار التنمية والتأهيل المعرفي هما الأساس وعلى قاعدة: الإستقرار بالتفهم.. والإزدهار بالتفاهم.
فؤاد مطر .
.
