وجدانية حجيلانية برسم الأجيال

نُشرت في صحيفة “الشرق الأوسط”
بتاريخ الثلاثاء 6/5/2025

في كل مرة تعصف بالأمتين حالات بالغة التعقيد مصدرها الصراعات الدولية على “قارة الشرق الأوسط” العربية – الخليجية نجد أنفسا نتذكر تحليلات طالما سمعناها من شيخنا الموسوعي أمد الله بعمره وصان ذاكرته الأمينة الشيخ جميل الحجيلان بكل ما يلم بقضايا الخليج وصراعات بعض الدول العربية والأجنبية عليه، وكنا أيضاً نبدي التطلع نفسه إلى شيخنا المتقد الذاكرة واليقظة الوطنية الشيخ عبدالعزيز التويجري رحمة الله عليه الذي ألّف عن الملك المؤسس ما هي مراجع لمن يبحث أو يكتب أو مجرد قراءة. ومِن منطلق إهتمامي بالمسيرة الخليجية من كتابات وحوارات على مدى خمسة عقود وكذلك على أوراق دونتُ عليها ما بات تضمينه مقالات ومؤلفات لعل أهمها “موسوعة حرب الخليج. اليوميات. الوثائق. الحقائق” وثلاثية “النهج السعودي في ترويض الأزمات والصراعات”… إنني من هذا المنطلق أجد نفسي أقرأ بكثير من الشغف بضع صفحات من مذكرات أنتظر كما سائر التواقين إلى الوقوف على أيام ذات أهمية في تلك المسيرة.

من بين تلك الصفحات ما رواه الشيخ جميل الحجيلان عن أسلوب الطيِّب الذِكر الملك فيصل بن عبدالعزيز وكان ما زال حينها أميراً رئيساً لمجلس الوزراء. وخلاصة ما رواه في مذكراته تلك أنه في اليوم التالي لعودته (الثلاثاء 26 مارس 1963) إلى الرياض من الكويت حيث يشغل فيها منصب سفير المملكة وقام بالسلام على الأمير “إن معالي الشيخ صالح العباد رئيس ديوان رئاسة مجلس الوزراء أخبرني أن سمو الأمير فيصل بن عبدالعزيز يرغب في رؤيتي يوم الخميس (28 مارس) على إنفراد”.

هنا نقرأ مشاعر الشيخ جميل عندما أُحيط عِلماً باللقاء الذي لم يتوقع طبيعته لجهة الإنفراد بالأمير فيصل، على النحو الآتي:

“لم يكن من عادة فيصل، الحليم، الحكيم، طويل البال، النادر في هدوئه وصبره أن يبدي عجلة فيما يريد، الأمر الذي أثار فضولي وقلقي في آن واحد. فأنا لم يمضِ على وصولي من الكويت إلاَّ يومان ولم يسبق أن قدِّر لي الإجتماع بسموه على نحو ما يريد…”.

بعد ذلك يلفتني المشهد الذي رسمه الشيخ جميل بالقلم  للقائه بالأمير فيصل والذي هو أشبه بلوحة رسام أو شبيهة بعض الشيء بأبيات من قصيدة أحد شعراء الزمن الغابر فهو يكتب “حضرتُ بعد صلاة الظُهر من يوم الخميس لمكتبه المتواضع في قصر المعذر. سلَّمتً عليه وجلستُ في مواجهة الأمير فيصل الأنيق في ملبسه الشامخ في إنتصاب قامته، مَن تهاب العين النظر في عينه. يتحدث بما يشبه الهمس. وقد يفاجئك وهو يلتقط خيطاً عارضاً من عباءته دون النظر عليك بسؤال مربك لا يستعجلك الإجابة عليه. هذا الفيصل بدا لي وأنا جالس أمامه كوالد عشتُ في ظله. تلاشت هواجس القلق الذي سكنتْني طوال ليلة أمس وإمتلأت نفسي بالسَكينة. فلم تنحسر عيناي مهابة عن النظر إليه وبدأتُ أُحدثه بما كان يرغب في سماعه عن الأحوال في الكويت والإنقسام الحاصل فيها تحت تأثير المد الناصري فكان تعليقه “الله يهديهم ما يدرون وين مصلحتهم، إن شاء الله يتعلمون…”.

لن أسترجع من جانبي ككاتب عاش تطورات تلك المرحلة حرصاً على عدم نكْأ الجراح المعنوية، فيما الشيخ جميل إسترسل في الإضاءة عليها كعربي آلمه ما حدَث وكسعودي كان مأمولاً من كويت ذلك الزمن أن تأخذ في الإعتبار موقف المملكة مما أدَّته من أجْل إستقرار الكويت.

ما يتبقى من أوراق تسنى لي الإطلاع عليها من مذكرات الشيخ جميل هو ما يتعلق بإبلاغه أن رئيس الوزراء فيصل بن عبدالعزيز يرغب لقاءه مع ملاحظة أن الرغبة كانت نوعاً من الإستدعاء التكريمي، وهذا ما أورده الشيخ جميل ويشكِّل بمثابة الأمثولة لنا كإعلاميين، حيث ينسب إلى الأمير فيصل في معرض النقد الذاتي لعدم إهتمام الإعلام السعودي في الستينات في مواجهة الإعلام المصري الذي طالما نال من المملكة، قوله “نحن قصَّرْنا وما إهتمينا بأمور الإعلام. كان لدينا أولويات لخدمة المواطنين أكثر أهمية من الإعلام إلتفتْنا إليها ولم نلتفت مثل غيرنا إلى الإذاعات وما شابهها. لكن الأمور تغيَّرت الآن والظروف توجب علينا نظرة جديدة لإعلامنا. وأنا إستدعيتكَ اليوم لكي أُخبرك بأنني أعرض عليك منصب وزير الإعلام، وإن شاء الله أنت محل القدرة ومحل الثقة”. وبلباقة المسؤول الكبير الشأن قال لمحدثه “أحب أن أعرف رأيك في هذا العرض”. وأما الشيخ جميل فجاء رده على النحو الآتي: إن ما سمعتْه من سموكم هو أمر أمتثل له وليس لي خيار فيه وهو شرف أعتز به أيما إعتزاز” مع إبداء وجهة نظر خلاصتها أن الشيخ جميل سبق أن عمل مديراً للإذاعة والصحافة والنشر وحيث “أنها مهمة شاقة وشائكة” وتستلزم المتابعة ليل نهار لم يفكر يوماً في العودة إلى الفضاء الإعلامي. لكن ماذا والعرض يأتيه من أحد كبار أهل الحكم وبالذات فيصل بن عبدالعزيز؟ هنا يوجز الإجابة بعبارة “لستُ في مقام التردد أو الإعتذار فأنا جندي في خدمة وطني. وأنا مؤمن بهذا الكيان الذي أسَّسه والدكم الملك عبدالعزيز، وبأن الأُسرة المالكة هي ضمان لإستقرار هذا الوطن ووحدته وإزدهاره، وسأكون إن شاء الله عند ثقتكم ولاءاً لوطني وإمتثالاً لما توجهوني به من أمور…”.

وينقل الشيخ جميل الذي أوكل الأمير فيصل في اللقاء النادر بين قائد ومواطن كان ما زال برتبة سفير، وإرتأى الأمير فيصل تعيينه وزيراً للإعلام التعليق الآتي للأمير: “لو أعلم يا أخ جميل أن وجود هذه الأُسرة – أُسرة آل سعود – ليس في صالح هذه الأمة لكنتُ أول من حمل السيف عليها”.

خرج السفير السعودي لدى الكويت جميل الحجيلان وزيراً للإعلام من اللقاء بالأمير فيصل رئيس مجلس وزراء المملكة. كان ذلك قبل ستة عقود خاتماً إنطباعه بإستكمال رسم اللوحة للقاء “إن الأمير فيصل كان بتلك العبارة كأنه يخاطب أمة بأسرها والذين يعرفونه يعلمون كم هو رزين رصين لا تخرج عنه كلمة في غير موضعها ولا يقول إلاَّ ما يريد أن يقول”.

إستأنف الشيخ جميل واجباً إعلامياً بمرتبة وزير كان بدأه مديراً للإذاعة. في المهمتيْن كان الوفاء إحدى سماته التي  إتسمت بها أمانته ﻟ “مجلس التعاون الخليجي”. وفي سنوات هذا الدور كنا كإعلاميين نصغي بإهتمام إلى ما يقوله لنا وبالذات عندما نُجري حواراً معه في مكتبه في مقر الأمانة العامة في المجلس. ونحن في ذلك على نحو إصغائنا للشيخ عبدالعزيز التويجري في مجلسه وللشيخ ناصر المنقور زمن كان سفيراً للمملكة في لندن ونلتقي به بغرض الإستفسار عن قضايا تتعلق بالمملكة وبالذات في مرحلة كانت خطوات وضع العلاقات السعودية – الروسية على سكة التطوير.

وكلاهم في ما أثروه تعريفاً ومعرفة ودبلوماسية ونقاء توضيح للمسيرة السعودية التي نعيش وهج تطورها في زمن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، لم يرفدوا ما رفدوه من مذكرات ومؤلفات ومبادرات من أجْل منصب في الدولة، ذلك أن الشيوخ الثلاثة أدوا الأمانة المعرفية بعدما كانوا شغلوا من المناصب أرفعها وكانوا عند حُسن تقدير ملوكهم وإمتنان الذين يقرأون ويحتفظون بالصفحات والأحاديث لكي يقرأها الذين بَعدهم.

فؤاد مطر .

.