عودة الروح في زمن الإفتراس

نُشرت في صحيفة “الشرق الأوسط”
بتاريخ الأحد 6/ 4/ 2025

في الوقت الذي يتواصل إنشغال البال العربي عموماً من الأحوال اللبنانية وجارتها الأحوال السورية ويتواصل السعي من أهل القرار العربي لتسكين الصراعات بأمل أن يستقر لبنان فلا تعود إسرائيل تنغص عيش أبنائه، وهي دأبت على ذلك طوال الشهر الفضيل غير عابئة حكومتها بأصول إحترام المناسبات الروحية ومنها شهر رمضان المبارك، فترسل الطائرات تحوم في سماء بعض المناطق اللبنانية، ثم تقصف صواريخ كي لا يقال عنها أنها لم تؤد واجب التعرض للصائمين قبل ساعة الإفطار وللمصلين طالبي رحمة رب العالمين وللأطفال النائمين علَّها تلحقهم بأطفال غزة، وتلاحق سيارات أناس في طريقهم إلى منازلهم لتحضير وجبة الإفطار مرفقة بالحمد والشكر لرب العالمين، وتقصف بيوتاً بمَن فيها وعلى النحو المتواصل قصفاً وتدميراً لمنازل في مناطق من غزة…

وفي الوقت الذي ينشط أولو أمر الحكم الجديد في سوريا عربياً وأوروبياً ويصغون بكثير من الاهتمام لما تبديه الإدارة الأميركية والحكومات الأوروبية من بوادر مطمِئنة وكفيلة بأن يأخذ السعي لتحقيق إستقرار ثابت، وتتكاثر الزيارات والمحادثات عربياً ودولياً ومضمونها عموماً أن تستقر سوريا التي يكفيها ما سبق وعانته وتبدأ جني مواردها النفطية والزراعية التي إستأثرت بها “منظمات ثورية جهادية”..

في الوقتيْن المشار إليهما تصدر إشارات مشجعة من بينها تلك الإشارة اللبنانية التي تفيد بأن لبنان الذي يتباهى بأن الكتاب تأليفاً ونشراً فيه سمة من سمات رونقه الحضاري الذي يتآكل منذ بضع سنوات نتيجة الجنوح نحو التحزب والسلاح والولاءات الخارجية، الأمر الذي ينعكس تراجعاً ملحوظاً في ظاهرة التأليف والنشر، والذي كان “معرض بيروت الدولي للكتاب” بمثابة المؤشر إلى أهمية هذه الظاهرة يتميز بها لبنان. وتحضرنا تذكيراً حول الأهمية كيف أن الكاتب الكبير الشأن الفكري الدكتور طه حسين (الراحل) خاض حواراً في العمق لدى زيارة قام بها إلى لبنان مع نظير له في الشأن الفكري الكاتب رئيف الخوري، وذلك بترتيب من جانب مجلة “الآداب” التي أنشأها الدكتور سهيل ادريس وكانت منبراً ثقافياً مضيئاً ولم تكن ظاهرة “معرض بيروت الدولي للكتاب” بدأت. وعلى هامش ذلك الحوار كانت للدكتور طه حسين تحية للوطن الذي كان منارة في العام 1955 تمثلت بعبارة “إن شوقي إلى تحية لبنان وما أسداه إليَّ من الخير ألقى في روعي أن أجيب الأستاذ سهيل إدريس بأني موافق على كل ما يريد ما دامت النتيجة أن أزور لبنان…” وزاد التحية لاحقاً في مقابلة معه في “الأهرام” أضاء فيها وبإعجاب على الدور الثقافي والصحافي للبنان في مصر وبالذات إنشاء شقيقيْن من عائلة تقلا صحيفة “الأهرام” المتواصلة الصدور يومياً وورقياً بعد مرور قرن على إنشائها.  ثم نرى خسوفاً متدرجاً لهذه الظاهرة بفعل تحوُّل لبنان إلى وطن مستباح بنسبة ملحوظة. والآن وفيما لبنان الوطن يواصل بالتدرج إسترداد عافيته وخصوصيته وطائفه (أي مؤتمر الطائف) الذي كان السراج الذي يعينه على سلامة التعايش والحفاظ على الخصوصية والنأي عن الصراعات والولاءات الخارجية، يأتي النبأ السار بأن “معرض بيوت العربي الدولي للكتاب” ستُستأنف دوراته التي أوجبت الظروف الأمنية عدم عقدها في العام 2024 ويقيم الدورة السادسة والستين من 15 إلى 25 مايو/ أيار 2025.

وطوال الست والستين سنة أمد لبنان عالمه العربي بالكم النوعي من المؤلفات، لكن في الوقت نفسه كان لظاهرة “معرض الكتاب الدولي للكتاب” وإستمراريته على مدى ست وستين سنة دور تحفيزي يتمثل في أن بعض الدول العربية إستحدثت معارض سنوية للكتاب، حتى أن “معرض الرياض” و “معرض جدة” و”معرض أبو ظبي” و “معرض القاهرة” و “معرض بغداد”  و”معرض الكويت” بات على سبيل المثال كل منها يشكِّل ظاهرة ثقافية وفكرية.. هذا إلى جانب جوائز إستحدثها البعض.

ولكن هذه المعارض عموماً تحتاج إلى تطوير وهذا يتم بالتعاون والتنسيق وبالإكثار من الندوات التي تناقش مستقبل الأمة والحرص على الكتاب الورقي من الغلاف إلى الغلاف وذلك لأن ظاهرة الإستعاضة عن القراءة المألوفة للكتاب بقراءة من خلال أجهزة الهواتف اليدوية المتطورة لا تحقق المبتغى من القراءة فضلاً عن أن فيها من إضاعة الوقت وإضعاف النظر ما يغني وجوباً عن القراءة.. وتلك في أي حال وجهة نظر قابلة للنقاش.

ما يأمله المرء هو أن لا يصيب بيروت ما سبق واصابها من إسرائيل نتنياهو خصوصاً أن الشهية الإسرائيلية مفتوحة (على نحو التشبيه الشعبي) على إفتراس ما يمكن إفتراسه وتدمير ما من السهل تدميره، وأن يتوقف الإفتراس في غزة رحمة بالأطفال الذين ينتهون مبتورين.. هذا في حال كُتبت لهم النجاة. والأمل المنشود يشمل سوريا التي تجدد نفسها وتحاول إدارتها الجديدة لأمور البلاد والعباد إصلاح ما حفلت به سنوات خلت من المآسي. وهذا مرهون بأن يتوقف الإفتراس البنياميني في سوريا كما حاله في غزة ولبنان. والأمل معقود على صحوة أميركية – أوروبية ترى إداراتها وحكوماتها الراهنة بالذات أن العرب عموماً كانوا من خيرة الراغبين في تمتين أواصر العلاقة مع الولايات المتحدة ودول أوروبا. ثم ها هم يرون أن رغبة التمتين تأتي من جهة واحدة بأمل أن ينتهي الإفتراس ويصحو العالم على فجر جديد.

إنها مجرد تأملات قلم يحبر على الورق مشاعر كاتب يتمنى في مناسبة عيد الفطر عودة الروح بكل معانيها وأن يسود السلام على الأرض ولا يعود النزف دموعاً ودماء، وهو الحاصل منذ أن أجاز العالم المتمدن لإسرائيل أن ترتكب إفتراساً ما تشاء إرتكابه… ويبرر المبررون لها هذا الإفتراس.

فؤاد مطر .

.